اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

الأردن بعد نيويورك: منصة الاستقرار والطاقة والاستثمار الإقليمي

الأربعاء-2026-09-23 08:58 pm
جفرا نيوز - بقلم: حامد النبابته مستشار سابق لوزير الطاقه 

مقدمة: حين يصبح الانتباه ذاته موردا جيوسياسيا

جاء خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، في دورتها الحادية والثمانين، في لحظة إقليمية مزدحمة بالأزمات المتراكبة؛ حرب غزة وتداعياتها، توسع الاستيطان في الضفة الغربية، توتر ممتد من لبنان وسوريا إلى اليمن، وآثار المواجهة الأمريكية الإيرانية على الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد العالمية. وفي خضم هذا الزحام، اختار جلالته أن يفتتح خطابه من زاوية غير تقليدية: الانتباه بوصفه موردا نادرا ومتناقصا.

استشهد جلالته بأن متوسط مدة تركيز الفرد أمام الشاشة تراجع من نحو دقيقتين ونصف في عام 2004 إلى أقل من دقيقة اليوم، ليبني على هذه الملاحظة استنتاجا سياسيا أعمق: أن مصير الأزمات الإنسانية والنزاعات لم يعد محكوما فقط بوقائعها، بل بما يقرر المجتمع الدولي أن يبقيه في دائرة الاهتمام، وما يسمح له بالانزلاق إلى الهامش والنسيان. فالمشكلة، كما طرحها جلالته، ليست في الأزمات التي نراها، بل في تلك التي نعتاد عليها فنتوقف عن رؤيتها.

وهذه الفكرة، رغم بساطتها الظاهرة، هي المدخل الأنسب لقراءة الخطاب كله؛ فالأردن لا يخاطب العالم اليوم بلغة الاستغاثة أو التذكير بالمعاناة فحسب، بل بلغة من يدرك أن إدارة الانتباه الدولي أصبحت جزءا من إدارة الأمن والمصالح.

الفكرة المركزية: ثلاث دوائر متداخلة

يمكن قراءة خطاب جلالة الملك على ثلاثة مستويات متكاملة، لا ينفصل أحدها عن الآخر:

• المستوى الأول، سياسي: حماية القضية الفلسطينية من التحول إلى واقع مفروض بعد عقود من إدارة الصراع بدلا من حله.
• المستوى الثاني، أمني: حماية حدود الأردن الشمالية وأمنه المائي ومصالح شعبه من تداعيات ما يجري في سوريا.
• المستوى الثالث، استراتيجي: تحويل موقع الأردن من جغرافيا واقعة بين الأزمات إلى منصة تربط الخليج بالعراق والبحر المتوسط، وتجمع الطاقة والتجارة والصناعة والتكنولوجيا.
وهذا المستوى الثالث، وإن جاء في نهاية الخطاب، هو في تقديري النواة التي ينبغي أن تُبنى عليها المرحلة الأردنية المقبلة؛ لأنه يحول الخطاب السياسي إلى ما يشبه بيان نوايا اقتصادي وجيوسياسي.

«لن يشيح الأردن بنظره»: من الموقف الأردني إلى معنى الصمت الإقليمي

قلما تحمل جملة واحدة في خطاب دبلوماسي هذا القدر من الوضوح. فحين يقول جلالة الملك إن الأردن لن يشيح بنظره، بل سيحمي أمنه ومياهه ومصالح شعبه، فإنه لا يصدر تصريحا احتجاجيا، بل يعلن موقفا سياديا مكتمل الأركان: أن الأردن هو من يحدد خطوطه الحمراء، لا من ينتظر أن يُسمح له برسمها.

وهذه الجملة تكتسب وزنها الحقيقي حين توضع في سياقها الإقليمي الأوسع؛ ففي المنطقة اليوم دول عديدة تتعرض لاعتداءات مباشرة على سيادتها، أو لاختراقات تمس أمنها ومواطنيها،

ومن هنا فإن هذه الجملة ليست مجرد رد فعل على تطورات جنوب سوريا، بل هي في جوهرها إعلان عن هوية استراتيجية: الأردن دولة تصنع قرارها بنفسه، لا دولة تتأثر فقط بقرارات غيرها. وهي بذلك تُكمل المعادلة التي بُني عليها هذا المقال؛ فدولة تعلن بهذا الوضوح أنها ستحمي حدودها ومياهها ومصالحها هي دوله ذات سياده .

أولاً: من إدارة الصراع إلى منع تثبيت الوقائع

انتقل جلالة الملك من توصيف معاناة الفلسطينيين إلى طرح سؤال أكبر حول قيمة القانون الدولي إن ظل قابلا للتجاوز عقودا متتالية. وحذر بوضوح من أن ما وُصف يوما بأنه إجراءات مؤقتة في غزة والضفة الغربية والقدس آخذ في التحول إلى وقائع دائمة تجعل قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة أمرا أكثر صعوبة.

والرسالة الاستراتيجية هنا واضحة: الأردن لا يريد أن تصبح إدارة الأزمة بديلا عن حلها. فإدارة الصراع قد تؤجل الانفجار، لكنها لا تنتج سلاما، بل تفتح الباب أمام تغيير تدريجي في الجغرافيا السياسية يصعب عكسه لاحقا. ومن هنا فإن أي قراءة أردنية لما بعد نيويورك يجب أن تنطلق من هذا التمييز الدقيق بين وقف الحرب وبين منع تجميد نتائجها على الأرض.

وقد ربط جلالته بشكل متعمد بين ما يجري في غزة وما وصفه بالتوسع والضم الفعلي في الضفة الغربية، رافضا التعامل معهما كملفين منفصلين. وهذا الربط ليس تفصيلا دبلوماسيا؛ فالضفة الغربية تقع على الحدود الغربية المباشرة للأردن، وأي تغيير جوهري في وضعها القانوني أو الديموغرافي له انعكاسات مباشرة على الأمن الوطني الأردني، بما يجعل الموقف الأردني من هذا الملف جزءا من منظومة الأمن، لا مجرد موقف سياسي خارجي.

ثانياً: القدس والوصاية الهاشمية، حيث تلتقي الرمزية بالجيوسياسة

ربط الخطاب استمرار الأزمة الفلسطينية باستمرار الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، والتمسك بالوضع التاريخي والقانوني القائم فيها. وهذه الوصاية ليست عنصرا رمزيا في السياسة الخارجية الأردنية فحسب، بل إحدى أدوات حضور الأردن الفعلي في أي معادلة مستقبلية تخص المدينة المقدسة، وهو ما يفسر إصرار الأردن الدائم على أن أي تغيير في وضعها القائم لا يمكن التعامل معه بوصفه أمرا ثانويا أو قابلا للتفاوض الهادئ

ثالثاً: سوريا والمياه، حين يتحول الجوار إلى اختبار للأمن القومي

ربما كانت النقلة الأهم في الخطاب، من منظور المصلحة الأردنية المباشرة، هي الانتقال من فلسطين إلى سوريا والمياه والأمن الوطني. فقد تحدث جلالة الملك عن توغلات متكررة وتوسع جغرافي وحقائق جديدة تُفرض على الأرض في جنوب سوريا، بعضها يمس مصادر مائية حيوية، محذرا من أن كل تراجع دولي عن المساءلة يشجع على مزيد من التمادي.

وجاءت العبارة الفاصلة في هذا السياق حاسمة الوضوح، إذ أكد جلالته أن أي تهديد لحدود الأردن الشمالية أو أمنه المائي هو تهديد مباشر لأمنه القومي، مستخدما عبارة تحمل وزنا استراتيجيا نادرا في الخطاب الدبلوماسي:

«لن يشيح الأردن بنظره، بل سنحمي أمننا، ومياهنا، ومصالح شعبنا»

هذه الجملة تضع الحدود والمياه والأمن، للمرة الأولى بهذا الوضوح على هذا المستوى الدولي،

رابعاً: هرمز وباب المندب، حين تصبح الممرات أصولا استراتيجية عالمية

أظهرت أزمة عام 2026، بامتدادها من مضيق هرمز إلى باب المندب، أن تداعيات الحرب لا تبقى حبيسة حدود المنطقة، بل تنتقل مباشرة إلى فواتير الطاقة وأسعار الغذاء وسلاسل الإمداد في آسيا وأوروبا. وهذا الدرس بالغ الأهمية للأردن؛ فإذا كانت الحروب الإقليمية قادرة على تحريك أسواق الطاقة العالمية من مسافة آلاف الكيلومترات، فإن الموقع الجغرافي الأردني يمكن أن ينتقل من عبء جيوسياسي إلى أصل استراتيجي قابل للاستثمار.

خامسا : من الخليج إلى المتوسط، ملامح المنصة كما رسمها الخطاب نفسه

قدم جلالة الملك في الجزء الخاص بالأردن من خطابه النواة الأولى لهذه المنصة، حين تحدث عن تعزيز الروابط من الخليج إلى البحر المتوسط من خلال دور الأردن كمركز للتجارة والصناعة والتكنولوجيا، بالتوازي مع مواجهة التحديات الأمنية والإنسانية المتراكمة على حدوده

الخلاصة الاستراتيجية

لم يكن خطاب جلالة الملك في الأمم المتحدة هذا العام، في قراءته الأوسع، خطابا عن فلسطين وحدها. كان خطابا عن نوع النظام الدولي الذي نريد أن نعيش فيه، وعن ثمن تجاهل الأزمات، من إدارة الأزمات إلى بناء البدائل لتحقيق العدالة الانسانيه 

وعن موقع الأردن في منطقة تعاد صياغتها بسرعة. وقد رسم الخطاب ثلاث دوائر مترابطة: فلسطين والقدس وحل الدولتين، فسوريا والمياه والحدود والأمن الوطني، فالأردن كمركز للربط بين الخليج والبحر المتوسط في التجارة والصناعه

والرسالة الاستراتيجية هنا واضحة: الأردن لا يريد أن تصبح إدارة الأزمة بديلا عن حلها. فإدارة الصراع قد تؤجل الانفجار، لكنها لا تنتج سلاما، بل تفتح الباب إلى مخاطر وانفجارات جديده في الإقليم 

حامد النبابته         
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير