اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

العورتاني يكتب: "أمن الأردن وسيادته ليست مجالا للمساومة"

الأربعاء-2026-09-23 07:59 am
جفرا نيوز - بقلم: رائد العورتاني

لم تكن كلمات جلالة الملك عبدالله الثاني اليوم أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة مجرد موقف دبلوماسي عابر ولم تكن عبارة «أي تهديد لحدودنا الشمالية أو أمننا المائي هو تهديد لأمننا القومي» جملة للاستهلاك السياسي بل كانت رسالة أردنية واضحة وصلت إلى من يعنيه الأمر بأن الأردن عندما يتعلق الأمر بأمنه وسيادته وحدوده ومياهه لا يتحدث بلغة الاحتمالات.

قالها الملك بوضوح: «لن يشيح الأردن بنظره، بل سنحمي أمننا ومياهنا ومصالح شعبنا»، هنا تكمن أهمية الرسالة، الأردن الذي اختار على الدوام طريق الدبلوماسية والحوار والذي تحمل عبر عقود أزمات المنطقة وتداعياتها لا يمكن أن يسمح بأن تتحول حدوده الشمالية إلى مساحة مفتوحة لفرض وقائع جديدة، أو أن تتحول مصادره المائية إلى ورقة في صراعات إقليمية تتجاوز حسابات الدول وحدودها.

الأمن المائي جزء من الأمن الوطني والحدود ليست مجرد خطوط على الخرائط، عندما يتحدث الملك عن الحدود الشمالية، هنا يأتي الحديث في سياق إقليمي بالغ الحساسية خصوصاً مع التطورات المتسارعة في الجنوب السوري والتوغلات الإسرائيلية والحديث عن فرض حقائق جديدة على الأرض بما في ذلك ما يمس مصادر مائية حيوية وفق ما ورد في الخطاب الملكي، والأردن يدرك جيداً أن ما يحدث خلف الحدود لا يبقى بالضرورة خلف الحدود.

لقد واجه الأردن لسنوات طويلة أخطار التسلل والتهريب والإرهاب ولا تزال القوات المسلحة الأردنية الجيش العربي تقوم بواجبها في حماية الحدود الشمالية والتعامل مع محاولات التسلل والأنشطة غير المشروعة، وقبل أيام فقط أعلنت القوات المسلحة إحباط محاولة تسلل على الواجهة الشمالية والقبض على المتسللين، لكن المسألة اليوم تتجاوز مواجهة حادث أمني هنا أو محاولة تسلل هناك، المسألة تتعلق بمنع فرض معادلات جديدة على حدود الدولة الأردنية.

الأردن ليس دولة تبحث عن المواجهة ولم يكن يوماً كذلك لكنه في الوقت نفسه ليس دولة تقبل أن تكون ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية أو أن يدفع شعبه ثمن صراعات الآخرين وهذا تحديداً ما يجعل العبارة الملكية بالغة الأهمية، الملك لم يقل إن الأردن يريد الحرب بل قال إن الأردن سيحمي أمنه ومياهه ومصالح شعبه، وهناك فارق كبير بين دولة تبحث عن الحرب ودولة تقول بوضوح إنها لن تسمح بالمساس بأمنها.

الأردن اختار الدبلوماسية لكنه لم يجعل الدبلوماسية بديلاً عن حماية السيادة، وهذا الموقف ليس جديداً في السياسة الأردنية فقد أكد جلالة الملك في آذار الماضي أن الأردن لن يكون ساحة معركة لأي صراع مع التأكيد على جاهزية مؤسسات الدولة لحماية أمن المملكة وسلامة المواطنين. 

المياه ليست ملفاً فنياً، وهنا يجب أن نتوقف طويلاً عند حديث الملك عن الأمن المائي، في دولة مثل الأردن حيث شح المياه يمثل تحدياً استراتيجياً لا يمكن النظر إلى المياه باعتبارها ملفاً خدمياً أو اقتصادياً فقط، (المياه قضية أمن وطني)، إذا كانت الحدود الشمالية تمثل خط الدفاع الأول عن السيادة فإن مصادر المياه تمثل أحد خطوط الدفاع عن استمرارية الدولة وأمن المجتمع ومستقبل الأجيال، لهذا فإن الربط الملكي بين الحدود الشمالية والمياه والأمن القومي يحمل دلالة سياسية عميقة لا يمكن فصل الجغرافيا عن الموارد ولا فصل الأمن العسكري عن الأمن المائي.

ومن هنا أيضاً تأتي أهمية المشاريع الاستراتيجية التي يعمل الأردن على تنفيذها لمعالجة تحدي المياه ومنها مشروع الناقل الوطني الذي حظي بدعم فرنسي باعتباره مشروعاً حيوياً للأردن في مواجهة الإجهاد المائي والرسالة الأردنية لا تختبروا صبر الأردن، ما قاله الملك اليوم يجب أن يُقرأ في سياقه الكامل، الأردن لم يرفع سقف خطابه من أجل تسجيل موقف إعلامي وإنما تحدث من موقع دولة تعرف حدودها وتعرف مصالحها وتعرف أيضاً أن المرحلة الإقليمية الحالية شديدة الخطورة.

السياسة الأردنية تقول للعالم شيئاً بسيطاً وواضحاً، نحن مع السلام ولكن السلام لا يعني التنازل عن السيادة، نحن مع الدبلوماسية ولكن الدبلوماسية لا تعني قبول الأمر الواقع عندما يمس أمن الأردن، نحن مع الاستقرار ولكن استقرار المنطقة لا يمكن أن يبنى على حساب أمن المملكة، هذه الرسالة يجب أن تكون مفهومة لكل الأطراف، الأردن لا يريد أن يكون جزءاً من أي صراع لكنه لن يقبل أن يُفرض عليه الصراع، ولا يريد أن تتوسع دائرة المواجهة في المنطقة، لكنه لن يقبل أن تتحول سياسة فرض الأمر الواقع إلى خطر على حدوده أو مياهه.

الأردن أقوى بوحدته، وفي هذه اللحظة تحديداً إن المسؤولية لا تقع على الدولة ومؤسساتها وحدها، المسؤولية الوطنية تتطلب أن يدرك الأردنيون جميعاً خطورة المرحلة وأن يكون الخطاب الداخلي على مستوى التحديات الخارجية، الأردن في القضايا المصيرية لا يحتمل الانقسام، الخلاف السياسي مشروع والنقد حق وتقييم أداء الحكومات حق دستوري وسياسي ولكن عندما يتعلق الأمر بسيادة الأردن وحدوده وأمنه ومياهه فإن المصلحة الوطنية يجب أن تبقى فوق الحسابات الصغيرة.

كلمة جلالة الملك اليوم أمام العالم تحمل عنواناً واضحاً، الأردن لن يكون الحلقة الأضعف في أي معادلة إقليمية، الأردن دولة ذات سيادة وحدوده مصانة وأمنه القومي ليس مجالاً للمساومة ومياهه ليست قضية ثانوية ومصالح شعبه ليست ورقة تفاوض، والرسالة الأهم أن الأردن لا يتحدث من منطلق رغبة في التصعيد وإنما من منطلق حق الدولة في حماية نفسها وهذا هو جوهر السيادة.

لقد قالها الملك بعبارة لا تحتاج إلى تفسير، «أي تهديد لحدودنا الشمالية أو أمننا المائي هو تهديد لأمننا القومي»، ومن يعرف الأردن يعرف أن هذه ليست عبارة للاستهلاك، إنها قاعدة سياسية وأمنية يجب أن يفهمها الجميع، ومن هنا إن موقفنا الوطني يجب أن يكون واضحاً أيضاً، حدود الأردن خط أحمر، مياه الأردن خط أحمر، سيادة الأردن خط أحمر، وأمن الأردن ومصالح شعبه فوق كل اعتبار.

حفظ الله الأردن وحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني وحفظ ولي عهده الأمين وحمى جيشنا العربي وأجهزتنا الأمنية وحفظ هذا الوطن آمناً مستقراً عزيزاً لا تهزه العواصف ولا تسمح له الظروف الإقليمية بأن يكون ساحة لأحد.        
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير