اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

بين "المحو" و"التعفّن" و"اللقاء" .. قراءة في هندسة الغموض الاستراتيجي للأحداث الحاليه

الثلاثاء-2026-09-22 12:26 pm
جفرا نيوز -
حامد النبابته "مستشار لوزيرالطاقه سابقا / مستشار لصندوق الاوبك سابقا"

 
حين يضع رئيس دولة عظمى، على مسمع العالم، ثلاثة خيارات أمام دولة أخرى - إبرام صفقة، أو تركها «تتعفّن اقتصادياً»، أو «محوها» بالكامل - ثم يُتبع ذلك بالإعلان عن انفتاحه على لقاء مباشر مع رئيسها، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن هو التناقض. لكن قراءة أعمق، بعيداً عن رد الفعل الآني، تكشف أن ما يبدو تخبطاً هو في جوهره نمط متكرر ومدروس من إدارة الأزمات، له منطقه الداخلي وأدواته المحددة. هذا ما صرّح به الرئيس الأمريكي ترامب مساء الأحد الماضي، وهو في «وضع اتخاذ القرار» بشأن إيران، قبيل توجهه إلى نيويورك لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث من المرتقب أن يكون الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان حاضراً أيضاً - وهو ما فتح نافذة محتملة، ولو ضيقة، للقاء مباشر بين الطرفين.

أولاً: منطق الغموض الاستراتيجي - لماذا الخطاب المزدوج؟

الدبلوماسية القسرية (Coercive Diplomacy) تقوم في جوهرها على مبدأ واحد: إبقاء الخصم في حالة عدم يقين تمنعه من التموضع بثبات خلف أي افتراض واحد. حين يُترك الطرف المقابل حائراً بين احتمال الفناء واحتمال التفاوض، يضطر للتفاوض من موقع القلق لا الثقة، وهذا بالضبط ما يمنح الطرف الأضعف - أو المتردد - حافزاً أقوى للانخراط الجاد. هذا الأسلوب ليس جديداً على الرئيس الأمريكي؛ فقد جرّبه سابقاً مع كوريا الشمالية بتهديدات «النار والغضب» التي أعقبتها قمم مباشرة مع الزعيم الكوري الشمالي، وهو ما يمنح مؤشراً على أن الخطاب المزدوج هنا أداة مقصودة أكثر منه انفعالاً عابراً.

والأهم أن هذا النمط ليس طارئاً على الملف الإيراني تحديداً؛ فمنذ مطلع عام ٢٠٢٦ تكرر المشهد ذاته أكثر من مرة: تهديد بالضربة العسكرية، فتفاوض، فوقف مؤقت أو هدنة، فتصعيد جديد. هذه الدورة المتكررة تكشف أن «الانفتاح على اللقاء» ليس تراجعاً عن التهديد، بل أداة تفاوضية إضافية تُستخدم بالتوازي معه، لا بدلاً منه.

ثانياً: آليات «المحو» - الخيار العسكري وحدوده

حين يتحدث الخطاب السياسي عن «محو» دولة، فإن ذلك نادراً ما يعني عملياً غزواً برياً واحتلالاً؛ فالدرس المستفاد من تجربتي العراق وأفغانستان لا يزال حاضراً بقوة في الحسابات الاستراتيجية الأمريكية، ويجعل خيار الاحتلال المباشر مكلفاً سياسياً وعسكرياً بما يفوق أي مكسب متوقع. الأقرب لمعنى «المحو» في هذا السياق هو تصعيد الحملة الجوية القائمة أصلاً: توسيع الضربات لتشمل البنية العسكرية والمنشآت النووية والصناعية، مع استهداف مراكز القيادة والقرار، بدعم استخباراتي إسرائيلي وثيق، واعتماد شبه كامل على التفوق الجوي والبحري دون التزام قوات برية على الأرض.

هذا الخيار، رغم قسوته الرمزية في الخطاب، يبقى في جوهره امتداداً لأداة معروفة ومُجرَّبة، لا قفزة إلى مجهول استراتيجي جديد - وهو ما يفسر جزئياً سهولة توظيفه في الخطاب دون أن يعني بالضرورة قراراً فعلياً وشيكاً.

وثمة سقف أقصى نظري لهذه الحملة الجوية يستحق وقفة مستقلة - هو خيار النبضة الكهرومغناطيسية.

ثالثاً: خيار النبضة الكهرومغناطيسية - السقف الأقصى لأداة «المحو»

إلى جانب مسار التصعيد الجوي التدريجي، يبقى خيار النبضة الكهرومغناطيسية (EMP) حاضراً في هامش الحسابات الاستراتيجية، وإن لم يُذكر صراحة في الخطاب السياسي. ثمة مساران فنّيان لهذا الخيار: الأول تفجير نووي على ارتفاع عالٍ (High-Altitude EMP) يشلّ الشبكات الكهربائية والاتصالات على مساحة جغرافية واسعة دفعة واحدة، والثاني أسلحة غير نووية محدودة المدى (e-bombs) تستهدف منشأة أو منطقة بعينها دون حاجة لعبور العتبة النووية. وما يمنح هذا الخيار قدراً من المصداقية كسيناريو نظري هو أنه يتسق مع المنطق ذاته الذي يحكم الخيار الجوي التقليدي المذكور أعلاه: الاعتماد شبه الكامل على التفوق التقني والجوي دون التزام قوات برية، وتفادي كلفة الاحتلال المباشر - بل يذهب بهذا المنطق إلى أقصاه، إذ يَعِد بشلّ البنية التحتية للخصم "دفعة واحدة" بما يطابق حرفياً معنى «المحو» أكثر من التصعيد الجوي التراكمي.

غير أن ما يبقيه في مرتبة «السقف الأقصى» لا «الأداة الجاهزة» هو أن كلفته السياسية تتجاوز كلفة أي خيار آخر مطروح في هذه الأزمة. فالنسخة النووية منه تنقل المواجهة من عتبة الضغط المحسوب - التي صُمم الغموض الاستراتيجي أصلاً للبقاء ضمنها - إلى عتبة نووية لا رجعة عنها، وهو ما يُسقط الورقة الأهم في يد واشنطن: القدرة على العودة إلى طاولة اللقاء؛ ذلك أن خصماً استُهدف بسلاح نووي، ولو بصورة غير مباشرة، لا يملك مساحة سياسية داخلية للجلوس للتفاوض لاحقاً. كما أن الأثر الكهرومغناطيسي بطبيعته عابر للحدود، بما يجعل حصره داخل الجغرافيا الإيرانية وحدها أمراً بالغ الصعوبة، ويهدد بإصابة شبكات الطاقة والاتصالات في دول الخليج المجاورة والقواعد الأمريكية ذاتها في المنطقة - وهو ما يتعارض مع الحرص الأمريكي التاريخي على ضربات محسوبة النتائجخاصه الناتج القومي لدول الخليج يزيد عن450مليار وهو يزيد عن الناتج القومي لبريطانيا وشراء الاسلحه لآخر اربع سنوات يزيد عن 220مليار والصناديق السياديه للاستثمار في امريكا والغرب خمسه مليار وميه الف مليار دولار.

لهذا فإن الأدق في قراءة هذا الخيار هو اعتباره خطاً فاصلاً ضمنياً لا سيناريو تشغيلياً: هو الحد الذي يوضح، بالتضاد، لماذا تبقى الحملة الجوية التقليدية - رغم قسوتها - هي الأداة المرجّحة فعلياً لمعنى «المحو»؛ فكل ما دون هذا الخط يظل داخل منطقة الغموض القابلة للإدارة، بينما عبوره ينقل الأزمة من "أزمة تُدار" إلى "مواجهة لا تُدار".

رابعاً: آليات «الترك ليتعفّن» - الخيار الاقتصادي الخانق

هذا المسار، رغم أنه أقل إثارة في العناوين، هو الأخطر من الناحية البنيوية؛ لأنه لا يحتاج إلى قرار عسكري متجدد أو مخاطرة تصعيدية مباشرة، بل يعتمد على أدوات تراكمية بطيئة المفعول لكنها عميقة الأثر: تشديد العقوبات الثانوية على كل من يشتري النفط الإيراني أو يتعامل مع مؤسساته المالية، محاصرة قنوات الالتفاف التي تعتمدها طهران عبر شبكات صينية وآسيوية، تجميد ما تبقى من احتياطيات وأصول في الخارج، والرهان - غير المعلن لكنه واضح في الخطاب - على أن الانهيار الداخلي عبر التضخم والاحتجاجات الشعبية سيقوم بما تعجز عنه الضربات العسكرية وحدها.
.

خلاصة استراتيجية

ما يبدو، من زاوية القراءة السريعة، تخبطاً في الموقف الأمريكي تجاه إيران هو، من زاوية أعمق، إدارة متعمدة لأزمة متعددة الأطراف عبر الإبقاء على أقصى درجة من المرونة التفاوضية بأقل قدر ممكن من الالتزام الفعلي. هذا النمط، وإن بدا فعّالاً في المدى القصير، يظل محفوفاً بمخاطر بنيوية لا يمكن لأي طرف إقليمي أن يتجاهلها.

فكل جولة جديدة من هذا التصعيد المتكرر حول مضيق هرمز تعيد التذكير، مرة تلو الأخرى، بحقيقة بنيوية واحدة: أن اعتماد الاقتصاد العالمي على ممر واحد للطاقة يبقى نقطة ضعف هيكلية لا غنى عن معالجتها. والدول التي تملك موقعاً جغرافياً مستقراً وحياداً سيادياً حقيقياً لا تحتاج، في مثل هذه اللحظات، إلى الانحياز لطرف من الأطراف، بقدر ما تحتاج إلى تحويل ثباتها ذاته إلى قيمة مضافة لشبكة الممرات البديلة التي يعيد الإقليم بناءها اليوم، بصرف النظر عن اتجاه الأزمة القادم.
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير