جفرا نيوز -
الدكتورة دانييلا القرعان
كتب أحد الأصدقاء في تعليق له على منشور سابق لي، إن الأردن يحتاج الى حكومة انقاذ وطني، حضرته طرح سؤاله وذهب، لكنه خلق عندي فضول أعرف هل يعي هذا الصديق ما الذي دعا اليه؟ وهل الحالة الأردنية الراهنة تستدعي ذلك؟
السؤال قد يبدو للوهلة الأولى كبيراً ومقلقاً لكن لا يعني بالضرورة أن الدولة في حالة انهيار أو هناك خطراً يهدد مؤسساتها، فحكومة الإنقاذ الوطني تعتبر خيار سياسي، يُلجأ إليه عندما تشعر الدولة أن المرحلة المقبلة تحتاج حكومة مختلفة في طريقة عملها وفي حجم التحديات التي تتصدى لها، وما دام الأردن اليوم أمام ملفات ليست جديدة بل أكثر إلحاحاً، كالاقتصاد والدين العام، والبطالة وفرص العمل، الاستثمار وكفاءة الإدارة العامة، الخدمات وتحديث التشريعات إلى جانب استمرار تنفيذ مسيرة الإصلاح السياسي، فإن هذه الملفات لا يمكن معالجها بحكومة وزارات عادية، كون الأمر يحتاج لرؤية متكاملة وقرارات قد تكون صعبة وغير شعبية أحياناً.
من هنا، يطرح البعض فكرة حكومة انقاذ وطني، كحل لما سبق، تحدد مهمتها بإنقاذ الاقتصاد، وإعادة تنشيط الاستثمار وتخفيض البطالة، وإصلاح الإدارة الحكومية وضبط الإنفاق، وانجاز الإصلاح السياسي ضمن برنامج واضح، ومواعيد محددة، ونتائج قابلة للقياس، اعتقاداً بأنه سيكون مع هذه صلاحيات استثنائية.
يحسن القول أن الدستور الأردني لا يعرف هذه التسمية (حكومة إنقاذ وطني) كصيغة مستقلة، لهذا، فإن الحكومة التي تحمل هذا الوصف تبقى خاضعة للدستور والقانون ورقابة البرلمان والقضاء، وليس معها صلاحيات فوق المعتاد لمجرد اسمها حكومة إنقاذ، وهذا أمر إيجابي، فالأردن لا يحتاج حكومة فوق المؤسسات، بل يحتاج حكومة أقوى في الإرادة وبالقدرة على الإنجاز.
الفرق بين حكومة عادية وحكومة إنقاذ وطني ليس بالصلاحية، وإنما بحجم التفويض السياسي الممنوح لها، فإذا جاءت حكومة تحظى بتوافق واسع، ووضعت برنامجاً محدداً لفترة معلومة، واختير أعضاؤها على أساس الكفاءة والخبرة، تستطيع التحرك بقوة أكبر وتتخذ قرارات تتردد الحكومة التقليدية في اتخاذها.
وقد يكون من المفيد أن تقول الحكومة، أي حكومة، منذ اليوم الأول لها للمواطن الأردني: هذه مشكلاتنا، وهذه الحلول، وهذه التشريعات التي نقدمها، والمشاريع التي سننفذها، والمدة التي نحتاجها، وبعدها فليحاسبنا مجلس النواب على النتائج، أما اذا تحولت عبارة الإنقاذ الوطني إلى مجرد شعارات، وتغيير وزراء، فهذا لن يتغير شيء، فالإنقاذ لا يكون بتغيير الوجوه إنما بتغيير طريقة إدارة الدولة واتخاذ القرار.
من المهم أيضاً عدم الخلط بين حكومة انقاذ وطني وحالة طوارئ أو قانون دفاع، فحكومة الإنقاذ يمكن تعمل بظروف طبيعية تماماً ولا تحتاج إلى حرب أو أحكام عرفية حتى تكون موجودة، لأن الصلاحيات الاستثنائية التي تترتب في حالة الطوارئ لها أحكامها الدستورية والقانونية الخاصة، وبالحالة الأردنية، لم يعرف رسمياً بحسب التسمية الدستورية للحكومات، أن حكومة حملت اسم حكومة إنقاذ وطني، لكن استُخدم هذا التعبير سياسياً في بعض المراحل في وصف بعض الحكومات أو عند طلب تشكيل حكومة ذات مهمات استثنائية، فحكومة الانقاذ ليست منصباً أو شكلاً دستورياً مستقلاً.
لهذا، السؤال الذي يستحق النقاش ليس: هل نريد حكومة اسمها حكومة إنقاذ وطني؟ والأهم: هل نحتاج إلى حكومة بمواصفات الإنقاذ الوطني؟ أي حكومة قليلة الترهل، عالية الكفاءة، سريعة القرار، واضحة البرنامج، محددة المدة، قادرة على مواجهة ملف الاقتصاد والإدارة والسياسة معاً، لا تخشى اتخاذ القرار عندما يكون القرار الصحيح مكلفاً سياسياً، وإذا كنا نحتاج فعلاً هذه الحكومة، لا ينبغي لنا أن نخشى المصطلح أو نبالغ باستخدامه، فالإنقاذ الوطني ليس إعلاناً عن فشل الدولة، إنما إعلاناً عن رغبة الدولة في الانتقال من إدارة الأزمات إلى معالجة الجذور.
قد يكون من المناسب اليوم فتح باب النقاش: هل تكفي الحكومة التقليدية لإدارة المرحلة المقبلة أم نحتاج حكومة ذات تفويض واسع وبرنامج إنقاذ واضح وفترة زمنية محددة وميزان دقيق بين قوة القرار وقوة الرقابة؟