جفرا نيوز -
كتب - الدكتور عادل محمد الوهادنة
هدف البحث
يهدف هذا البحث إلى مراجعة ما أمكن توثيقه علناً من اتفاقيات ومسارات تشغيل الكفاءات الصحية الأردنية خارج المملكة، باستثناء الولايات المتحدة، وقياس دور السفارات الأردنية فيها، ثم مقارنة بنيتنا المؤسسية بتجارب مصر والهند والفلبين.
ولا يُقصد من هذه القراءة التقليل من أي جهد رسمي أو دبلوماسي، بل الانتقال من الحديث عن الاجتماعات ومذكرات التفاهم إلى قياس النتائج: كم فرصة حُددت؟ وكم عقداً وُقع؟ وكم متخصصاً غادر والتحق فعلياً بعمله؟
النقاط الرئيسية
1. لا تظهر في السجل الرسمي المنشور شبكة واسعة ومتكاملة من الاتفاقيات الصحية المخصصة لتشغيل الأردنيين في الخارج.
2. ما أمكن توثيقه يتمثل في اتفاق حكومي منظم مع ألمانيا، ومسار توظيف جارٍ في إيطاليا، وتفاهم مع كليفلاند كلينك لندن في بريطانيا.
3. رقم 1,700 في المسار الإيطالي يمثل عدد المتقدمين، وليس عدد العقود أو الذين التحقوا بالعمل.
4. تفاهمات التشغيل مع قطر والسعودية تشمل قطاعات متعددة، ولا يجوز احتساب أرقامها ضمن التوظيف الصحي دون بيانات مفصلة.
5. لم أجد رقماً وطنياً منشوراً يبين عدد العقود الصحية الموقعة أو عدد الكفاءات التي غادرت والتحقت فعلياً عبر هذه المسارات.
6. تتفوق الفلبين والهند ومصر في وجود أجهزة دائمة داخل السفارات، ومنصات تعاقد وتوثيق، ومؤشرات قابلة للقياس.
7. المطلوب ليس المزيد من مذكرات التعاون العامة، بل اتفاقيات مرتبطة بحصص وظيفية، واعتراف مهني، وتأهيل لغوي، وجدول زمني ونتائج منشورة.
⸻
يتزايد عدد خريجي التخصصات الصحية في الأردن بوتيرة يصعب معها الاعتماد على السوق المحلي وحده لاستيعابهم، خصوصاً في بعض تخصصات الطب والتمريض والصيدلة والمهن الصحية المساندة.
ولا يعني ذلك تحويل الكفاءات الصحية الأردنية إلى سلعة للتصدير، بل بناء سياسة وطنية للحركة المهنية المنظمة تفتح أسواقاً جديدة، وتحمي حقوق العاملين، وتسمح باكتساب الخبرة وتحويل المعرفة، وتحافظ في الوقت نفسه على حاجة القطاع الصحي الأردني.
الأردن يمتلك رصيداً مهنياً وتعليمياً جيداً، وسمعة معتبرة في الطب والتمريض والخدمات الصحية. لكن السمعة وحدها لا تتحول تلقائياً إلى عقود عمل. فهي تحتاج إلى دبلوماسية صحية متخصصة، واتفاقيات للاعتراف بالمؤهلات، ومسارات للترخيص واللغة، وعلاقات مباشرة مع الهيئات المنظمة والمستشفيات وأصحاب العمل.
ومن الناحية المؤسسية، لا تكون السفارة في العادة الطرف القانوني الذي يوقع اتفاقيات العمل الدولية؛ فالتوقيع يتم غالباً بواسطة وزارة العمل أو وزارة الصحة أو المجالس والنقابات المهنية. لكن السفارة يفترض أن تكون عين الدولة في السوق المستهدف: تحدد الاحتياجات، وتتواصل مع الجهات المنظمة وأصحاب العمل، وتفتح الطريق أمام الاتفاق، ثم تتابع تنفيذه وتحمي العاملين بعد وصولهم.
لذلك، فإن تقييم السفارات لا ينبغي أن يقوم على عدد الاجتماعات، بل على عدد الفرص التي تحولت إلى عقود والتحاق فعلي بالعمل.
ألمانيا: المسار الأكثر تنظيماً
يمثل المسار الألماني أكثر النماذج الأردنية وضوحاً من الناحية المؤسسية. فقد وقعت وزارة العمل الأردنية ووكالة التوظيف الاتحادية الألمانية اتفاقاً لتشغيل الأردنيين في عدد من القطاعات، من بينها التمريض، ضمن برنامج Triple Win.
ويتضمن المسار اختيار الممرضين وتأهيلهم لغوياً ومهنياً ومساعدتهم في إجراءات الاعتراف بالمؤهلات والانتقال إلى ألمانيا.
هذا مسار حقيقي ومنظم، ولا يجوز التقليل من أهميته. لكن الإعلان الرسمي لا يقدم حصة سنوية محددة للأردن، ولا عدداً تراكمياً واضحاً للممرضين الذين وقعوا العقود أو غادروا والتحقوا فعلياً بالعمل.
كما أن برامج تعليم اللغة الألمانية، حتى عندما تستهدف آلاف الأطباء والممرضين والصيادلة والمهندسين، لا ينبغي تقديم أرقامها باعتبارها وظائف؛ فالمتدرب لغوياً ليس بالضرورة مرشحاً اجتاز الترخيص، والمرشح ليس صاحب عقد، وصاحب العقد ليس بالضرورة قد غادر والتحق بالعمل.
وزارة العمل الأردنية: اتفاق تشغيل الأردنيين في ألمانيا
إيطاليا: 1,700 متقدم لا 1,700 عقد
بدأ الملف الإيطالي بمباحثات لتشغيل ممرضين أردنيين في إقليم لومبارديا، ثم ظهر مسار آخر لفرص العمل في مستشفيات ومراكز صحية في إقليم سردينيا.
ووفق وكالة الأنباء الأردنية، تقدم نحو 1,700 ممرض وممرضة، وبدأت عمليات تدقيق الطلبات والمقابلات والاختبارات، على أن يتلقى المقبولون تدريباً على اللغة الإيطالية قبل استكمال إجراءات التشغيل.
الرقم مهم لأنه يكشف حجم الرغبة والاستعداد لدى الكفاءات الأردنية، لكنه لا يمثل 1,700 وظيفة منفذة، ولا 1,700 عقد موقع. إنه عدد المتقدمين في بداية المسار.
ولذلك ينبغي انتظار إعلان عدد من اجتازوا الاختبارات، ثم عدد عروض العمل، والعقود الموقعة، ومن غادروا والتحقوا فعلياً بالمستشفيات الإيطالية.
وزارة العمل: بحث تشغيل الممرضين الأردنيين في إيطاليا
وكالة بترا: تقدم 1,700 ممرض وممرضة للفرص الإيطالية
بريطانيا: بداية مهمة لكنها محدودة بصاحب عمل واحد
وقع المجلس التمريضي الأردني وكليفلاند كلينك لندن خطاب تفاهم لتسهيل استقطاب ممرضين مسجلين من الأردن.
ويظهر في هذا الملف دور دبلوماسي أردني واضح في تسهيل العلاقة ودعم فتح المسار. لكنه يظل حتى الآن اتفاقاً مع جهة صحية واحدة، وليس اتفاقاً وطنياً شاملاً مع سوق العمل البريطاني.
كما أن الممرض الأردني يبقى مطالباً باستيفاء شروط مجلس التمريض والقبالة البريطاني من لغة وامتحانات وتسجيل مهني. ولم تتضمن البيانات المنشورة حصة توظيف محددة أو عدداً نهائياً لمن تم تعيينهم.
المسار واعد، لكنه يحتاج إلى التوسع ليشمل تجمعات المستشفيات البريطانية والقطاع الصحي الحكومي، وأن يرتبط بعدد سنوي مستهدف من الوظائف.
كليفلاند كلينك لندن: التعاون مع المجلس التمريضي الأردني
الخليج: سوق كبير ولكن الرقم الصحي غائب
توجد تفاهمات ومنصات تشغيل بين الأردن وعدد من دول الخليج، خصوصاً قطر والسعودية. وقد تحدثت البيانات الرسمية عن آلاف الفرص التي أتيحت للأردنيين في قطر خلال السنوات الماضية.
لكن هذه الأرقام تشمل تخصصات وقطاعات متعددة، ولا تتضمن توزيعاً منشوراً يبين عدد الأطباء أو الممرضين أو الصيادلة أو أصحاب المهن الصحية المساندة.
ولهذا لا يصح إدخال الأرقام الإجمالية لسوق العمل القطري أو السعودي في حصيلة التوظيف الصحي الأردني.
والأمر نفسه ينطبق على اللقاءات مع جهات عراقية وليبية ورومانية؛ فبعضها يتعلق بالتدريب أو تبادل الخبرات أو التعاون الصحي أو حماية العمال، ولا يتضمن حصصاً وظيفية صحية أو نتائج تعاقدية منشورة.
ماذا تفعل الدول المنافسة؟
لا يمكن مقارنة الأردن بمصر أو الهند أو الفلبين بالأرقام المطلقة بسبب الفارق السكاني الهائل، لكن يمكن مقارنة الأدوات والبنية المؤسسية.
الفلبين
تمتلك الفلبين شبكة واسعة من مكاتب العمال المهاجرين داخل السفارات والقنصليات. وهذه المكاتب لا تكتفي بالترويج للكفاءات؛ بل تتحقق من أصحاب العمل والعقود، وتدير برامج حكومية ثنائية، وتتابع العمال بعد وصولهم.
وفي تقرير حكومي واحد لعام 2018، وثقت الفلبين إرسال 2,036 ممرضاً إلى وزارة الصحة السعودية، و322 ممرضاً إلى ألمانيا، و324 ممرضاً ومتدرب رعاية إلى اليابان، و21 مسعفاً إلى الإمارات.
الفرق الأساسي أن الفلبين تعلن عدد من تم إرسالهم من خلال البرامج الحكومية، لا عدد من حضروا الاجتماعات أو قدموا الطلبات فقط.
شبكة مكاتب العمال المهاجرين الفلبينية
تقرير التوظيف الحكومي الفلبيني
الهند
أنشأت الهند شبكة من اتفاقيات الهجرة وتنقل المهارات مع عدد كبير من الدول، وربطتها بمنصة eMigrate لتوثيق إجراءات الاستقدام والعقود وحماية العمال.
كما وقعت مع إيطاليا، في أيار 2026، إعلاناً مخصصاً لتسهيل انتقال الممرضين الهنود، إضافة إلى مسارات مع ألمانيا واليابان ودول أخرى.
النموذج الهندي يبدأ من تحديد المهنة المطلوبة وينتقل إلى الاعتراف بالمؤهل والترخيص والتعاقد والحماية القانونية، بدلاً من الاكتفاء بمذكرة تعاون صحية عامة.
وزارة الخارجية الهندية: اتفاقيات تنقل الكفاءات
الهند وإيطاليا: تسهيل انتقال الممرضين
مصر
تمتلك مصر تسعة مكاتب للتمثيل العمالي ملحقة بسفاراتها وقنصلياتها في ثماني دول. وتعمل هذه المكاتب على توفير الفرص وحماية العمال وحل النزاعات ومتابعة أسواق العمل.
وقد أعلنت وزارة العمل المصرية أرقاماً كبيرة للفرص الخارجية خلال عدة سنوات، لكنها تشمل جميع القطاعات، ولذلك لا يجوز استخدامها بوصفها حصيلة صحية خالصة.
التفوق المصري هنا يتمثل في وجود تمثيل عمالي مؤسسي ودائم داخل السفارات، وفي إعلان حصيلة تشغيل عامة يمكن متابعتها، حتى إن بقي التفصيل الصحي بحاجة إلى مزيد من الإفصاح.
وزارة العمل المصرية: مكاتب التمثيل العمالي
أين الفجوة الأردنية؟
وزارة العمل الأردنية توضح في دليل خدماتها أنها تستقبل فرص العمل الواردة من السفارات والقطاع الخاص، وتعلنها، وتجري المقابلات، وتتلقى كتباً بأعداد المقبولين، ثم تتحقق بعينات ممن التحقوا بالعمل.
وهذا يعني أن جزءاً مهماً من البيانات ينبغي أن يكون موجوداً لدى المؤسسات المعنية، لكنه لا يظهر للعامة في لوحة موحدة تبين النتائج حسب الدولة والسفارة والقطاع والتخصص.
وزارة العمل: دليل تسويق الكفاءات الأردنية خارج المملكة
المشكلة إذن ليست في غياب النشاط بالكامل، بل في تشتته، وضعف الإفصاح عن نتائجه، وعدم وجود مسار وطني واضح يبدأ بتحديد الطلب وينتهي بقياس الاستمرار في العمل.
ما المطلوب؟
أولاً، إنشاء وحدة وطنية دائمة لتنقل وتسويق الكفاءات الصحية، تضم وزارات الخارجية والعمل والصحة والتعليم العالي، والمجلس الصحي العالي، والمجلس الطبي، والمجلس التمريضي والنقابات المهنية.
ثانياً، تكليف السفارات في الأسواق ذات الطلب الصحي بإعداد خريطة سنوية تبين التخصصات المطلوبة، وأعداد الشواغر، وشروط الترخيص، ومستوى اللغة والرواتب وكلفة المعيشة.
ثالثاً، الانتقال من مذكرات التعاون العامة إلى اتفاقيات تنفيذية تتضمن عدداً محدداً من الوظائف، وأسماء أصحاب العمل، والجدول الزمني، ومسؤولية التأهيل والترخيص.
رابعاً، إنشاء منصة وطنية موحدة للمتخصصين الصحيين الراغبين في العمل الخارجي، تتضمن مؤهلاتهم وخبراتهم ومستواهم اللغوي واستعدادهم للترخيص.
خامساً، نشر تقرير ربع سنوي يبين عدد المتقدمين، ومن اجتازوا اللغة والترخيص، والعروض الصادرة، والعقود الموقعة، والمغادرين، ومن استمروا في العمل بعد سنة.
سادساً، إعطاء الأولوية لاتفاقيات الاعتراف المتبادل بالمؤهلات والتدريب، لأن تأشيرة العمل لا تكفي إذا تعذر على الطبيب أو الممرض الحصول على الترخيص المهني.
سابعاً، ربط الحركة الخارجية بخريطة الاحتياجات الوطنية، حتى لا نفقد تخصصات يحتاجها الأردن، مع تشجيع الهجرة الدائرية وعودة الخبرات ونقل المعرفة.
الخلاصة
إذا كان معيار النجاح هو عدد الاجتماعات ومذكرات التعاون، فهناك نشاط رسمي يمكن البناء عليه. أما إذا كان المعيار هو عدد الوظائف الصحية المحددة والعقود الموقعة ومن التحقوا فعلياً بالعمل، فإن السجل المنشور لا يزال غير كافٍ لإظهار حصيلة وطنية متماسكة.
ما أمكن توثيقه حتى 27 آب 2026، مع استثناء الولايات المتحدة، هو اتفاق حكومي منظم مع ألمانيا، وتفاهم مع صاحب عمل صحي واحد في بريطانيا، ومسار توظيف إيطالي لا يزال في مراحل الفرز والاختبار والتأهيل.
هذه بدايات مهمة، لكنها لا توازي بعد حجم الكفاءات الأردنية ولا حجم الطلب العالمي على العاملين الصحيين.
السؤال الذي ينبغي أن يوجه إلى كل جهة معنية ليس: كم اجتماعاً عقدتم؟ بل:
كم فرصة حددتم؟
كم ترخيصاً أنجزتم؟
كم عقداً وقعتم؟
وكم أردنياً وصل إلى مكان عمله وبقي فيه؟
عندها فقط ننتقل من دبلوماسية اللقاءات إلى دبلوماسية النتائج، ومن الفرص المعلنة إلى مسارات تشغيل مؤسسية يمكن قياسها وحمايتها والبناء عليها.
.
المراجع الأساسية
1. وزارة العمل الأردنية: اتفاق تشغيل الأردنيين في ألمانيا ومنهم الممرضون.
2. وزارة العمل: بحث تشغيل الممرضين الأردنيين في إيطاليا.
3. وكالة بترا: تقدم 1,700 ممرض وممرضة لفرص العمل الإيطالية.
4. كليفلاند كلينك لندن: التعاون مع المجلس التمريضي الأردني.
5. وزارة العمل: آلية استقبال فرص العمل الواردة من السفارات.
6. الفلبين: شبكة مكاتب العمال المهاجرين في السفارات والقنصليات.
7. الفلبين: نتائج برنامج التوظيف الحكومي واتفاقيات التشغيل.
8. الهند: شبكة اتفاقيات الهجرة وتنقل الكفاءات.
9. الهند وإيطاليا: تسهيل انتقال الممرضين الهنود.
10. وزارة العمل المصرية: مكاتب التمثيل العمالي التابعة للسفارات.