جفرا نيوز -
المحامية رانيا أبو عنزة
السؤال الشائع هذه الأيام: هل يهدد الذكاء الاصطناعي مهنة المحاماة؟
أعتقد أنه سؤال مهم يورق البعض، وربما لهذا يتكرر كثيراً في المقابلات مؤخرًا : و الإجابة دائماً هي "لا”، فتنتهي النقاشات عند طمأنة الجميع بدل مواجهة السؤال الأصعب .
فالحقيقة أن الذكاء الاصطناعي لا يهدد "المهنة” ككتلة واحدة، بل يعيد تشكيلها من الداخل بشكل غير متساوٍ.
مثلًا في صياغة العقود، وفي البحوث القانونية، وفي صياغة البيّنات، هذه من الأسس والمهام التي كان ومازال المحامي يجب أن يتقنها، والمدخل إلى المهنة في سنواته الأولى.
لكن حين تُؤدى من خلال الذكاء الاصطناعي بسرعة ودقة أعلى، فإن السؤال المهم "هل سيبقى للمحامي دور؟”
ومن أين سيتعلم محامي الغد، إذا اختفت الأعمال التي كانت يتعلمها في بداية مسيرته ؟
هنا يكمن التحدي ، وهو تحدٍ مؤسسي قبل أن يكون تقنياً.
فكليات الحقوق ومكاتب المحاماة التي بنت نموذجها التدريبي على "التعلم من خلال التدريب”، مطالبة اليوم بالتحول الذكي ...
كيف يُدرَّب المحامي على كتابة اللوائح والمرافعات، حين تتقلص فرص التدريب التقليدية؟
أما الجزء الذي يبقى إنسانياً ، فعلى سبيل المثال : هو قدرة المحامي للوصول لقناعة الهيئة ، وقدرتة على مناقشة الشهود والدفاع في قاعة المحكمة فهو صحيح فعلاً أنه يقاوم الأتمتة،، فهو يحتاج إلى تواصل إنساني مباشر ، ويحتاج ثقة وحضوراً وقدرة على القراءة بين السطور لا تملكها الخوارزمية. لكن هذا الجزء وحده لن يكفي ليشغّل مهنة المحاماة بأكملها بنفس الحجم الذي تعمل به اليوم.
وهذا يقودنا إلى سؤال لا نطرحه كثيراً
*هل ستحتاج كل شركة أو مكتب محاماة إلى نفس العدد من المحامين؟
الإنصاف يقتضي القول: على الأرجح لا. سيحتاج السوق محامين أقل عدداً وأعلى مهارة في الأشياء التي تبقى إنسانية، وهذا انتقال حقيقي له كلفة على بعض الأفراد، حتى لو كان صحيّاً للمهنة ككل.
وبالتوازي، تبقى قضية الملكية الفكرية والتشريعات الناظمة لاستخدام هذه الأدوات في العمل القانوني ملحّة، لا كإجراء شكلي، بل لأن غياب إطار قانوني واضح يترك المسؤولية عن أخطاء الآلة معلّقة بين المطوّر والمستخدم والمنظومة، وهذا فراغ لا تحتمله مهنة أساسها المسؤولية.
على سبيل المثال
من يتحمل مسؤولية خطأ أخرج عن طريق استخدام الذكاء الاصطناعي في مذكرة تقدمت للمحكمة؟
قد يزيد الفكرة وضوحاً للجمهور العام.
في الختام، لا أرى داعياً لطمأنة المهنة بأن "الدور سيبقى للإنسان” وكفى. الأصدق أن نقول: الدور سيبقى للإنسان، لكن بحجم أصغر، وبمهارات مختلفة، ولمن يستعد لها مبكراً. وهذا عبء حقيقي يقع على كليات الحقوق ونقابة المحامين اليوم، لا في الغد.
يتضح مما سبق أن الذكاء الاصطناعي، على الرغم مما يوفره من إمكانيات وسرعة ودقة ، إلا أنه يبقى أداة مساعدة لا يمكن أن تحل محل التدخل البشري في مهنة المحاماة.