جفرا نيوز -
محمد أبو رمان
تستحق الرسالة التي وجّهها أكثر من مائة دبلوماسي بريطاني وفرنسي سابق بشأن فلسطين التوقف عندها، ليس فقط بسبب مضمونها، بل ربما بصورة أكبر بسبب أصحابها؛ إذ لا نتحدث هنا عن ناشطين في حركات التضامن مع فلسطين، ولا عن شخصيات محسوبة تقليدياً على اليسار الأوروبي، بل عن سياسيين وسفراء سابقين أمضوا سنوات طويلة داخل مؤسسات السياسة الخارجية، وبعضهم خدم في دول المنطقة وكان قريباً من ملفاتها وحساباتها وتعقيداتها.
الرسالة، التي نشرها مشروع Britain Palestine Project، (وقد أرسلها إليّ أيضاً مشكوراً السفير البريطاني المخضرم، السير فنسينت فين، وهو من أبرز القيادات في هذا المشروع) تحمل توقيع 52 دبلوماسياً فرنسياً و50 سفيراً ودبلوماسياً بريطانياً سابقاً، بينهم أسماء معروفة تولّت مواقع مهمة في الأمم المتحدة ووزارات الخارجية وسفارات البلدين. لذلك فإن اللغة التي استخدمها هؤلاء تستحق الانتباه؛ فهي تتحدث عن «تطهير عرقي» في الضفة الغربية، وعن «محو فلسطين»، وتذهب إلى التشكيك في إمكانية النظر إلى إسرائيل اليوم بوصفها «ديمقراطية حقيقية».
ومما يعطي الرسالة وزناً أكبر أنها لا تكتفي بالإدانة أو التعبير عن القلق، وهي اللغة التي اعتدنا عليها طويلاً في المواقف الأوروبية، بل تسأل عملياً: إذا كانت إسرائيل تنتهك القانون الدولي وتقضي بصورة منهجية على إمكانية قيام دولة فلسطينية، فما الذي ستفعله بريطانيا وفرنسا؟ أما الإجابة التي يقدمها الموقعون واضحة وثقيلة سياسياً فتتمثل بتعليق اتفاقيات التجارة والشراكة مع إسرائيل، ووقف نقل الأسلحة والتعاون العسكري، وحظر التجارة والاستثمارات والخدمات المالية المرتبطة بالمستوطنات، وضمان وصول المساعدات إلى غزة، بل وتجريم شراء مواطنين بريطانيين وفرنسيين عقارات على أراضٍ فلسطينية مسلوبة.
هذه الإجراءات المقترحة قد تكون النقطة الأهم في الرسالة؛ فقد قامت السياسة الغربية تجاه القضية الفلسطينية، طوال عقود، على معادلة غريبة: تأكيد مستمر على حل الدولتين ورفض الاستيطان، مقابل غياب أي ثمن فعلي تدفعه إسرائيل عندما تعمل على تقويض هذا الحل على الأرض. بيانات الإدانة تتكرر، والمستوطنات تتوسع، فيما تستمر العلاقات التجارية والعسكرية والسياسية بصورة شبه طبيعية.
خذوا مثلاً مشروع E1 الاستيطاني شرق القدس. بريطانيا وفرنسا ودول أوروبية أخرى حذرت منه مراراً، لأنه يضرب التواصل الجغرافي الفلسطيني ويجعل فكرة الدولة الفلسطينية أكثر صعوبة. لكن ماذا يحدث إذا مضت إسرائيل فيه؟ هذه هي المسألة التي تضعها الرسالة على الطاولة: إذا لم تكن وراء «الخطوط الحمراء» نتائج سياسية، فما الذي يبقى من معناها؟.
الأمر الآخر المهم يكمن في أن الرسالة لا تأتي من فراغ. هنالك تحول واضح يجري داخل المجتمعات الغربية منذ حرب غزة؛ بدأ في الجامعات والشارع وحركات التضامن، وظهر بقوة في استطلاعات الرأي، وبصورة أكبر بين الأجيال الشابة، ثم بدأ يترك آثاره في الانتخابات والأحزاب. الجديد الآن أن شيئاً من هذا التحول وصل إلى دوائر كانت، تاريخياً، أكثر تحفظاً في مقاربتها لإسرائيل.
بالطبع، من المبكر الحديث عن انقلاب غربي على إسرائيل، إذ ما تزال شبكة المصالح والتحالفات والقوى السياسية المؤيدة لها كبيرة ومؤثرة، والفارق بين تغير المزاج الشعبي وتغير السياسة الخارجية كبير، لكن المشكلة الإسرائيلية لم تعد محصورة في صورتها التي تضررت بصورة هائلة بعد غزة؛ هنالك سؤال آخر يتقدم تدريجياً إلى الواجهة، يتعلق بشرعية السياسات الإسرائيلية نفسها، وبمدى استعداد الدول الغربية للاستمرار في الدفاع عنها.
لذلك، أيضاً، تكتسب الرسالة معنى إضافياً بعد اعتراف بريطانيا وفرنسا بالدولة الفلسطينية في العام الماضي. فالاعتراف بدولة لا يكفي إذا كانت الأرض التي ستقوم عليها تختفي أمام أعين الجميع. ماذا يعني الاعتراف بفلسطين إذا استمر الاستيطان وتهجير السكان وتقطيع الضفة الغربية من دون كلفة؟ صحيح أن الرسالة قد لا تغير السياسة البريطانية أو الفرنسية مباشرة، لكن أهميتها أنها تكشف لنا أين يتحرك النقاش داخل الغرب.
أيها السادة؛ لم تعد فقط الصورة عن إسرائيل في الرأي العام، بل بدأت تقترب من مؤسسات ونخب كانت تاريخياً جزءاً من البيئة السياسية التي وفرت لها الحماية والدعم، وإذا وصلت هذه التحولات في مرحلة لاحقة إلى التجارة والسلاح والعقوبات، فعندها لن نتحدث عن تغير في المزاج الغربي تجاه إسرائيل، بل عن تغير في قواعد العلاقة نفسها.