جفرا نيوز -
لما جمال العبسه
في الأدبيات الاقتصادية الكلاسيكية، تُدَرَّس العلاقة بين أسعار الفائدة والدولار والسلع الأساسية كالذهب والنفط بوصفها بندولاً يسير وفق قوانين شبه ثابتة، فمن المفترض أن ارتفاع الدولار يمارس ضغطاً كابحاً على الذهب والنفط المُسعَّرين به، وأن صعود النفط يُغذي التضخم ليُضعف القوة الشرائية للدولار، غير ان الاسواق العالمية هذه الأيام تُسجِّل مشاهد تاريخية تُخالف القاعدة، حيث نرى صعوداً متزامناً للذهب، والنفط، بينما يحافظ الدولار على قوته.
في المشهد الراهن، تتقاطع ثلاثة محركات رئيسية لتفسير هذه الحركة المتزامنة، أولها النفط الذي يرتفع او يبقى عند مستويات عالية نوعاً ما مع استمرار الغموض حول الملاحة في مضيق هرمز المرهون اعادة فتحه بحسم المفاوضات بين إيران وسلطنة عُمان، مع الأخذ بعين الإعتبار المزاج الأمريكي بشأن إنهاء الحرب، وإغلاقه هو الخطر المباشر على الإمدادات ما يضيف علاوة مخاطر جيوسياسية إلى كل برميل، وبالتالي التأثير على الأسعار.
اما المحرك الثاني، فهو الذهب الذي يقترب من أعلى مستوياته في عشرة أسابيع، مستفيداً من تراجع توقعات رفع الفائدة الأمريكية في ايلول، وهنا المستثمرون يتعاملون معه كملاذ مزدوج في جانب للتحوط ضد التضخم المتوقع نتيجة ارتفاع الطاقة، وجانب آخر للحماية من المخاطر الجيوسياسية المتصاعدة في الشرق الأوسط وآسيا، كما أن بيانات الوظائف الأمريكية الاخيرة كانت أضعف من المتوقع وعززت هذا الاتجاه، إذ قلصت الرهانات على تشديد السياسة النقدية، ما جعل الذهب أكثر جاذبية.
ويأتي ثالثاً، الدولار الذي ظل قوياً، حيث تتجه السيولة العالمية نحو سندات الخزانة الأمريكية وسط الهلع الجيوسياسي، وارتفاع عوائد هذه السندات منذ بداية الحرب الأمريكية على إيران التي عكست طلباً كثيفاً عليه، في الوقت الذي يترقب المستثمرون قراءة أرقام التضخم الأمريكية التي قد تحدد مسار الفائدة، ليجد الفيدرالي الامريكي نفسه أمام معضلة فهل يبقي الفائدة مرتفعة لكبح التضخم الناتج عن «النفط»، أو يخفضها لدعم النمو، وهو ما يربك الأسواق ويزيد من تقلباتها.
وفي ظل هذه التطورات، نجد ان انعكاسات هذا المشهد على الاقتصادات العربية واضحة، فالدول المستوردة للطاقة تواجه صدمة مزدوجة.. ارتفاع فاتورة النفط بالدولار القوي، وتفاقم عبء الديون الخارجية، ما يضغط على ميزانياتها ويستنزف احتياطياتها من العملات الأجنبية، اما التضخم المستورد فهوم بالتأكيد يهدد الاستقرار الاجتماعي والسياسي، ويضع الحكومات أمام خيارات صعبة بين دعم الوقود أو رفع الأسعار محلياً، في المقابل نجد الدول المصدرة للطاقة خصوصًا الخليجية، تستفيد من طفرة الإيرادات النفطية والغازية، وتوظف قوة الدولار لتعزيز صناديقها السيادية واستثماراتها العالمية، فيما يرفع الذهب من قيمة احتياطياتها ويقوي مراكزها المالية.
الاسبوع الحالي شهد تهاوي القواعد التقليدية أمام صعود ثلاثي غير مألوف، فالنفط يعكس واقع الصدمة، والذهب يجسد الخوف من المستقبل، والدولار يرمز إلى البحث عن السيولة والطمأنينة، استمرار التوتر في مضيق هرمز يعني أن هذه المعادلة ستظل قائمة، وأن الأسواق ستدار بقوانين التحوط الشامل لا بقواعد العرض والطلب التقليدية، وبالتالي استمرار الضغوط التضخمية عالمياً، مما يربك خطط النمو ويضع السياسات النقدية أمام معضلة معقدة، فإما رفع الفائدة لكبح التضخم والمخاطرة بالركود، أو خفضها لدعم النمو والمخاطرة بفقدان السيطرة على الأسعار.
اما في الدائرة الاضيق وهي دول المنطقة منبع الأزمة فالأمر يكرس فجوة هيكلية بين المستوردين والمصدرين للطاقة، وهو ما يؤكد الحاجة إلى آليات تكاملية واستثمارية مشتركة لتخفيف أثر الصدمات الخارجية.