اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

معادلة استراتيجية: غزة والانتخابات الإسرائيلية

الإثنين-2026-08-10 10:05 am
جفرا نيوز -
محمد أبو رمان

يرى عميت سيغال، أحد أبرز المحللين السياسيين الإسرائيليين، أن الكتل الاسمنتية، التي ترسم ما يسمى «الخط الأصفر» في غزة قد تكون مرتبطة بسؤال أكبر بكثير: من سيحكم إسرائيل بعد الانتخابات المقبلة؟ وبأي ائتلاف؟ وما الذي سيعنيه ذلك لغزة والضفة والقدس، بل للمنطقة كلها؟.

يكشف سيغال (في مقاله الذي نشر مؤخراً في إسرائيل هيوم) أنّ معضلة نتنياهو الحقيقية تتمثل في التعامل مع الرئيس ترامب والخطة الجديدة لنزع سلاح حماس من جهة والمعادلة الانتخابية الإسرائيلية بعد أشهر قليلة من جهةٍ أخرى، إذ أنّ أي تراجع عن «الخط الأصفر» سيوظفه بن غفير وسموتريتش ضده، وسيقدَّم باعتباره تنازلاً عن نتائج الحرب. وفي المقابل، لن يمنعه ذلك من التعرض للهجوم من بينيت وليبرمان وآيزنكوت. أي أن كل خطوة في غزة أصبحت تُحسب مرتين: مرة عسكرياً وسياسياً، ومرة انتخابياً.

في هذا السياق تبدو أهمية «الكتلة الثالثة» بوصفها مساحة تقع بين معسكر نتنياهو والمعسكر المناهض له، وتضم ناخبين وشخصيات من اليمين القومي والأمني، لكنهم ليسوا بالضرورة جزءاً من اليمين الديني والاستيطاني، فهذه الكتلة، رغم صغر حجمها، قد تكون مفتاح الانتخابات. فإذا ذهبت بضعة مقاعد منها إلى قوى قادرة على منح غادي آيزنكوت أغلبية، فقد تتغير خريطة الحكم؛ أما إذا بقيت في دائرة يمكن لنتنياهو أن يتحالف معها، فستبقى فرص عودته إلى رئاسة الحكومة قائمة بقوة.

وفقاً لهذه المعادلة فإنّ مستقبل غزة لم يحسم بعد، فاللجنة الفلسطينية المفترضة لإدارة القطاع، نزع سلاح حماس، القوات الدولية، إعادة الإعمار، وحدود الانسحاب الإسرائيلي؛ كلها ملفات ما تزال مفتوحة، حتى «الخط الأصفر» نفسه أصبح جزءاً من هذه المعادلة، فإسرائيل ترى في الأرض التي ما يزال جيشها يسيطر عليها ورقة ضغط لضمان نزع سلاح حماس، بينما تريد واشنطن تحويل وقف الحرب إلى ترتيب سياسي قابل للحياة، مما يجعل نتنياهو ينظر إلى كل متر يمكن أن ينسحب منه الجيش بعين على غزة، وبعين أخرى على بن غفير وصندوق الاقتراع.

بيد أنّ غزة ليست سوى جزءٍ من المعادلة، فالضفة الغربية والقدس ربما تكونان الاختبار الأهم لما بعد الانتخابات، فأي حكومة جديدة تعتمد مرة أخرى على بن غفير وسموتريتش ستدفع، على الأرجح، باتجاه مزيد من الاستيطان وتغيير الوقائع في الضفة وإضعاف السلطة الفلسطينية وتصعيد الصراع على القدس والمقدسات، وربما وضع مشروع الضم بصورة أكثر صراحة على الطاولة.

في المقابل، فإن وصول حكومة يقودها آيزنكوت أو تشارك فيها قوى مثل بينيت وليبرمان لا يعني، بالطبع، أننا أمام «معسكر سلام»، فهذه القوى تنتمي - هي الأخرى- إلى المجال القومي والأمني الإسرائيلي، لكن الفروق تظل مهمة؛ سواء في العلاقة مع واشنطن، أو في الاستعداد لتحويل نتائج الحرب إلى ترتيبات سياسية وإقليمية، بدلاً من إبقاء إسرائيل في حرب مفتوحة ودائمة. مما يجعل السؤال عن هوية الحاكم المقبل في إسرائيل لا يتعلق بغزة وحدها. هو سؤال عن الضفة والقدس أيضاً، وعن العلاقة مع إيران وسوريا ولبنان، وعن حدود الدور الذي تريد إسرائيل أن تفرضه على الإقليم في المرحلة القادمة.

في الأثناء لا تجري هذه الانتخابات في شرق أوسط تقليدي ولا ضمن القواعد السابقة للعبة الإقليمية، فالحروب الأخيرة، بخاصة المواجهة مع إيران، أعادت فتح سؤال الأمن الإقليمي وحدود الاعتماد على الولايات المتحدة، وفي هذا السياق تكمن أهمية التقارب السعودي – التركي – الباكستاني، بما يحمله من عناصر قوة مختلفة: الثقل السياسي والمالي السعودي، القدرات العسكرية والصناعات الدفاعية التركية، والثقل العسكري والنووي الباكستاني.

صحيح أنّه من المبكر، وربما من المبالغة، الحديث عن تحالف موجه ضد إسرائيل، فمصالح الدول الثلاث أكثر تعقيداً من ذلك، وعلاقاتها بواشنطن وطهران وتل أبيب مختلفة ومتداخلة. لكن من الخطأ في المقابل تجاهل دلالة هذا المسار، بخاصة مع وجود إطار تشاوري أوسع يضم مصر أيضاً، وفي لحظة بدأت فيها دول المنطقة تعيد طرح السؤال القديم الجديد: من يضع قواعد الأمن الإقليمي؟ ومن يوازن التفوق الإسرائيلي؟.

من هنا يمكن فهم ما أراد سيغال قوله في عنوانه: «بضع كتل خرسانية ستحدد مصير الشرق الأوسط». فالقضية ليست في الكتل نفسها، بل في ما ترمز إليه: الانسحاب من غزة يؤثر في اليمين، واليمين يؤثر في الانتخابات، والانتخابات تحدد الحكومة، والحكومة المقبلة ستترك بصمتها على غزة والضفة والقدس، وعلى علاقة إسرائيل بالإقليم كله.

© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير