اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

الجلوة العشائرية من العرف إلى التنظيم

الخميس-2026-08-06 11:54 pm
جفرا نيوز -
بقلم الدكتور يوسف عبيدالله خريسات

الجلوة العشائرية ظاهرة اجتماعية ارتبطت بتاريخ المجتمع الأردني وبطبيعة العلاقات التي شكلت العشيرة فيها إطارًا للحماية والتكافل وحل النزاعات. فقد أدت العشيرة عبر مراحل طويلة دورًا مهمًا في حفظ التوازن الاجتماعي واحتواء الخلافات ومنع امتداد الخصومات بين أفراد المجتمع.

ومع تطور الدولة الحديثة ترسخت مفاهيم جديدة في إدارة العدالة تقوم على سيادة القانون وربط المسؤولية بالفعل الفردي. وهذا المبدأ تؤكده الشريعة الإسلامية التي جعلت المسؤولية شخصية قال تعالى : ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) وقال تعالى :( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى.) فكل إنسان يتحمل تبعات عمله ضمن ميزان العدل الذي يحفظ الحقوق ويصون كرامة الأفراد.

الجلوة في لحظات التوتر الاجتماعي إجراء اجتماعي يهدف إلى حفظ الأمن وتهدئة النفوس واحتواء الغضب ومنح المجتمع فرصة لاستعادة التوازن حتى تستكمل الجهات المختصة إجراءاتها. وقد أثبتت الجلوة في بعض جوانبها أنها أسلوب وقائي فاعل في الحد من انتشار النزاع وتهدئة النفوس وحماية المجتمع من امتداد الخلافات إلى دوائر أوسع. فحفظ النفس مقصد عظيم في الشريعة، واستقرار المجتمع غاية تسعى إليها كل المنظومات الاجتماعية والقانونية.

وتؤدي الحاكمية الإدارية دورًا أساسيًا في تنظيم هذا المجال من خلال إدارة الجلوة وضبط نطاقها الزماني والمكاني والتنسيق مع القيادات المجتمعية بما يحافظ على الأمن ويمنع توسع دائرة الخصومة. وتشارك المستشارية العشائرية في هذا الجهد الوطني من خلال دورها في متابعة القضايا العشائرية وتعزيز منهج الإصلاح والتهدئة وتقريب وجهات النظر بين أطراف النزاع، بما يسهم في حماية السلم الأهلي وترسيخ ثقافة الاحتواء والحوار.
وتشهد الجلوة العشائرية في الأردن خطوات مهمة في التنظيم وتقليص نطاقها لتبقى ضمن حدود تحقق الغاية الاجتماعية منها. وتأتي هذه الجهود ثمرة تعاون بين مؤسسات الدولة والمرجعيات العشائرية للوصول إلى صيغة تحفظ أمن المجتمع وتصون حقوق الأفراد. فالعرف عندما يتحرك داخل إطار العدالة يصبح عنصر دعم للاستقرار، وتصبح القيم العشائرية رافدًا من روافد السلم الأهلي، وقد تجد هذه التجربة طريقها إلى دول الجوار ذات الطابع العشائري للاستفادة من منهجها في تحقيق التوازن بين الموروث الاجتماعي ومتطلبات الدولة الحديثة.
الجلوة جزء من الذاكرة الاجتماعية للمجتمع الأردني بما تحمله من دلالات تتعلق بحفظ الدماء وإطفاء النزاعات وتهدئة النفوس. وتكمن الحكمة في إدارة هذا الإرث بما يجمع بين احترام الموروث الاجتماعي وترسيخ دولة القانون التي تحفظ الإنسان وتصون المجتمع.
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير