جفرا نيوز -
تعبت… نعم، تعبت من كتابة المقالات عن النساء اللواتي يرحلن قبل اوانهن. تعبت من ان افتح هاتفي فاجد اسم امرأة جديدة، وصورة فتاة جديدة، واما جديدة تبكي، وابا جديدا لا يعرف كيف سيشرح للبيت ان ابنته لن تعود. تعبت من ان نكتب بعد كل جريمة: "جريمة بشعة تهز المجتمع”، ثم بعد ايام ننسى، حتى تاتي جريمة اخرى فنكتب من جديد، ونبكي من جديد، ثم ننسى من جديد.
لكن هذه المرة، لا اريد ان اكتب عن نور برغل باعتبارها خبرا. نور ليست خبرا. نور انسانة. طالبة لها احلام، ولها ام ربما كانت تنتظر ان تراها في يوم من الايام تحقق ما تعبت من اجله، ولها اب ربما كان يفتخر بها، ولها صديقات يحملن الان صورها على هواتفهن ولا يستطعن تصديق انها لن ترد على رسائلهن. نور كانت مستقبلا، ثم اصبحت جثة، وهنا يجب ان نتوقف.
بحسب ما اعلنته الجهات الامنية، عثر على فتاة في وسط العاصمة عمان بعد تعرضها للطعن، وتم ضبط الجاني واداة الجريمة، وبوشرت التحقيقات تمهيدا لاحالته الى القضاء. ثم اعلنت جامعة العلوم والتكنولوجيا نعي الطالبة نور محمد عامر برغل. وفي ساعات قليلة، لم تعد القضية قضية جريمة فقط، بل تحولت الى ساحة للروايات والشائعات. قيل هذا، وقيل ذاك، حتى وصلت بعض الروايات الى اتهام احد افراد عائلتها، فخرج اهلها وعشائر النوابنة لينفوا ذلك بشكل قاطع، مؤكدين ان نور لا يوجد لها اخوة ذكور.
وهنا اسال: لماذا لا يكفينا ان فتاة قتلت؟ لماذا نقتلها مرة اخرى بالكلام؟ لماذا نضيف الى الم اهلها روايات لا نعرف صحتها؟ لماذا نقرر من القاتل قبل ان تقول التحقيقات كلمتها؟ ولماذا، في كل مرة تقتل فيها امرأة، يبدأ المجتمع بالبحث عن قصة تبرر الجريمة بدل ان يسال السؤال الاهم: كيف وصل انسان الى مرحلة يرى فيها قتل امرأة امرا ممكنا؟
تداول البعض رواية تقول ان شخصا تقدم لطلب يد نور ثم رفضته، وان رفضها كان سبب الجريمة. انا لا استطيع ان اقدم هذه الرواية كحقيقة ما لم تثبتها التحقيقات. لكن حتى لو ثبتت، وهنا بيت القصيد، فان رفض المرأة ليس جريمة ولا يحتاج الى تبرير. المرأة ليست ملكية، وليست مشروعا يجب ان توافق عليه، وليست فرصة اذا رفضتها اصبحت مدينة للرجل بالغضب او الانتقام.
حين تقول امرأة "لا”، فهي لا تعلن الحرب. هي فقط تستخدم حقها في الاختيار. والرجل الذي لا يستطيع تقبل كلمة "لا” لا يحتاج الى امرأة توافق عليه؛ يحتاج الى ان يراجع مفهومه عن نفسه، وعن الرجولة، وعن الحق، وعن الانسان.
واكثر عبارة تؤلمني حين اسمعها بعد جرائم القتل هي: "قتلها بالغلط”. كيف يكون قتل الانسان بالغلط؟ قد يخطئ الانسان في الكلام، وقد يخطئ في قرار، وقد يصطدم بسيارة، وقد يكسر شيئا، لكن عندما يشهر انسان سكينا في وجه انسان اخر، فالنتيجة ليست غلطة يمكن اختصارها بكلمتين. هناك حياة انتهت، وهناك عائلة ستعيش ما تبقى من عمرها مع سؤال لا ينام: لماذا؟
نحن لا نحتاج فقط الى عقوبات بعد الجريمة، بل نحتاج الى منع الجريمة قبل ان تبدأ. نحتاج ان نعلم ابناءنا منذ الصغر ان الحب ليس امتلاكا، وان الغيرة ليست حقا في السيطرة، وان الرفض ليس اهانة، وان الانفصال ليس سببا للانتقام، وان المرأة ليست شيئا يمكن ان تقول له "لي” ثم "ليس لي”. نحتاج الى ان نعلم ابناءنا ان الرجولة ليست في السيطرة على امرأة اضعف منك، وان الرجولة الحقيقية في ضبط الغضب، واحترام الحدود، وتقبل الرفض، والقدرة على سماع كلمة "لا” دون التحول الى خطر.
واقولها اليوم بصوت مرتفع: لا تنتظروا ان تقتل امرأة حتى تبدأوا بالسؤال لماذا. اسالوا قبل الجريمة، عندما يبدا التهديد، وعندما تبدا الملاحقة، وعندما تبدا السيطرة، وعندما يبدا الابتزاز. عندما يقول شخص: "اذا لم تكوني لي، فلن تكوني لغيري”، فهذه ليست جملة حب، بل اشارة خطر. وعندما يقول شخص: "سانتقم منك”، لا تقولوا: "سيهدأ”. قد لا يهدأ. وعندما تخبر امرأة احدا انها تخاف من شخص يلاحقها، لا تقولوا لها: "لا تكبري الموضوع”، لان الموضوع قد يكون حياتها.
نور برغل ليست اول امرأة، ولن تكون الاخيرة اذا بقينا نتعامل مع العنف ضد النساء باعتباره اخبارا منفصلة. هذه ليست عشرات الجرائم المختلفة، بل مشكلة واحدة باشكال مختلفة. مشكلة تبدا احيانا بفكرة "هي لي”، ثم تتحول الى "كيف ترفضني؟”، ثم "لن اسمح لها ان تتركني”، ثم "اذا لم تكن لي…”، ثم تنتهي بجنازة.
يا مجتمعنا، لا تجعلوا المرأة مضطرة الى الموت حتى نصدق انها كانت خائفة. لا تجعلوا الاسرة مضطرة الى دفن ابنتها حتى نعرف ان هناك شيئا كان يجب ان نفعله قبل ذلك. ولا تجعلوا كل جريمة جديدة تمر عبر مواقع التواصل كانها مادة للفضول: من القاتل؟ ما علاقته بها؟ لماذا رفضته؟ ماذا كانت تلبس؟ اين كانت؟ مع من كانت؟ كل هذه الاسئلة لا تمنحنا الحق في تحميل الضحية مسؤولية جريمة ارتكبها شخص اخر.
السؤال الحقيقي هو: ماذا فعل القاتل؟ لماذا وصل الى هذه المرحلة؟ وكيف نمنع ان تتكرر الجريمة؟ هذه هي الاسئلة التي يجب ان تشغلنا، لا البحث عن اي تفصيل يمكن ان نحمله للضحية حتى نشعر، ولو بشكل وهمي، ان الجريمة كان يمكن تجنبها لو تصرفت بطريقة مختلفة. لا، المسؤولية عن العنف تقع على من ارتكبه، وليس على من تعرض له.
نور، لا اعرفك شخصيا، لكنني اعرف شيئا واحدا: كان من حقك ان تعيشي. كان من حقك ان تختاري. كان من حقك ان تقولي "نعم” او "لا”. كان من حقك ان تدرسي، وتحلمي، وتكبري، وتفرحي، وتتزوجي او لا تتزوجي، وتعيشي حياتك كما تريدين. لم يكن لاحد الحق ان يحول حياتك الى عقوبة لانك لم تختاري ما يريد.
ولام نور وابيها واهلها اقول: لن تعيد الكلمات ابنتكم، ولا المقالات، ولا الغضب، ولا حتى الحكم مهما كان. لكن اقل ما نستطيع فعله هو الا نسمح بان تتحول ابنتكم الى رقم جديد في قائمة طويلة. نريد ان تكون نور نقطة توقف، نقطة نقول عندها: كفى. كفى تبريرا للعنف، وكفى تطبيعا مع التهديد، وكفى اعتبار الغيرة حبا، وكفى اعتبار السيطرة رجولة، وكفى سؤال المرأة: "ماذا فعلت حتى حدث لك هذا؟”
ولنسال للمرة الاولى سؤالا مختلفا: ماذا فعلنا نحن حتى اصبح قتل المرأة ممكنا؟ ماذا فعلت المدرسة؟ ماذا فعلت الاسرة؟ ماذا فعل المجتمع؟ ماذا فعلت المؤسسات؟ وماذا فعلنا جميعا عندما سمعنا تهديدا ولم نعتبره خطرا؟ عندما شاهدنا عنفا وقلنا انه شأن عائلي؟ عندما طلبت امرأة المساعدة وقلنا لها ان الامور ستهدأ؟
انا لا اريد ان اكتب المقال القادم عن امرأة اخرى. ولا اريد بعد اسبوع ان اضع صورة فتاة اخرى واكتب: "رحلت ضحية جريمة جديدة”. اريد ان ياتي يوم لا اجد فيه ما اكتب. يوم تكون فيه كلمة "لا” امنة، ويكون فيه الرفض امنا، والانفصال امنا، والاختيار امنا، والمرأة امنة.
رحم الله نور برغل. ولنحول حزننا عليها من منشور عابر الى موقف، ومن موقف الى قانون، ومن قانون الى ثقافة، ومن ثقافة الى حماية حقيقية. حتى لا تكون نور مجرد اسم اخر في قائمة النساء اللواتي دفعن حياتهن ثمنا لعنف لم يرتكبنه.
د. حنان العمري ✍🏻