جفرا نيوز -
الدكتورة دانييلا القرعان
منذ أكثر من أربعة عقود، ومهرجان جرش للثقافة والفنون أحد أهم العناوين الثقافية في الأردن، وواجهة حضارية تستقطب فنانين ومبدعين من مختلف أنحاء العالم العربي وأسهم هذا التنوع في ترسيخ مكانة المهرجان، إلا أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل امتلكنا الجرأة الكافية لنختبر قدرة الفنان الأردني وحده على حمل هذا المهرجان؟ أنا لا أدعو إلى إلغاء مشاركة الفنان العربي، ولا إلى الانغلاق الثقافي، بل إلى تجربة واحدة فقط لعام واحد، يكون فيه مهرجان جرش أردنياً بالكامل؛ غناءً، مسرحاً، شعراً، فنوناً تشكيلية، فلكلوراً، إعلاماً، وإدارةً للمحتوى الفني، بعدها لنجلس جميعاً أمام الأرقام، ونحكم بعيداً عن الانطباع المسبق، وهل نجحت التجربة أم خفقت؟
الفنان الأردني لم يعد فناناً ناشئاً يبحث عن فرصة، بل أصبح حاضراً في معظم المنصات العربية، وحقق كثيرون منهم نجاحات خارج حدود الوطن، والسؤال المنطقي هو: إذا كان هؤلاء قادرين على إحياء الحفلات في العواصم العربية، لماذا لا يكونون قادرين على ملء مدرجات جرش؟
قد يقول البعض إن الجمهور يبحث عن الأسماء العربية الكبيرة، وهذا رأي يستحق الاحترام، لكنه يبقى افتراضاً لا حقيقة علمية، والطريق الوحيد لاختبار هذا الافتراض هي التجربة نفسها لا التوقعات المسبقة.
عام أردني خالص سيمنح عشرات الفنانين والموسيقيين والشعراء والمسرحيين والفرق الشعبية فرصة لا تتكرر، وسيعيد توجيه جزء أكبر من الإنفاق إلى الاقتصاد الثقافي المحلي، ويفتح المجال أمام اكتشاف مواهب جديدة ويعزز ثقة فنان الأردن بنفسه وبجمهوره.
بل إن نجاح التجربة، إن تحقق، سيكون رسالة بأن الأردن يمتلك من الطاقات الفنية ما يؤهله للاعتماد على نفسه، أما إذا لم تحقق النتائج المرجوة، فلن يخسر المهرجان شيئاً؛ إذ سيكون قد خاض تجربة مدروسة، خرج منها بمؤشرات حقيقية تساعد على تطويره مستقبلاً.
إن المؤسسات الناجحة لا تخشى التجربة، بل تبني قراراتها عليها، وما أجمل أن يخصص مهرجان جرش دورة واحدة تحت شعار: "الأردن يبدع ... والأردنيون يحتفون بإبداعهم" عندها لن يكون النقاش قائماً على الانطباعات، بل على الأرقام: نسب الحضور، الإيرادات، التفاعل الجماهيري، التغطية الإعلامية، ومستوى الرضا.
فلنجرب عاماً واحداً فقط. بعدها ليكن الجمهور هو الحكم، لا للتوقعات، فقد يكون الفنان الأردني ينتظر منذ سنوات فرصة عادلة ليبرهن أن جرش ليس مجرد مسرح يستضيف النجوم، بل وطنٌ قادر على صناعة نجومه أيضاً، فإذا كنا لا نثق أن الفنان الأردني قادر على إنجاح أهم مهرجان في وطنه، فكيف نطلب من الآخرين أن يثقوا به؟