النسخة الكاملة

الحلقة الثامنة من سلسلة استدعاء التاريخ .. "تعريب الجيش"

الخميس-2026-05-21 10:56 am
جفرا نيوز -
بقلم: د. أحمد زياد أبو غنيمة
**
توطئة:
إيماناً بجدوى التوثيق الرصين، وابتعاداً عن السجال السياسي اليومي، نواصل اليوم نشر الحلقة الثامنة من سلسلة "استدعاء التاريخ السياسي والتوثيق الوطني"، المستلهمة من مسار دراستي الأكاديمية لدرجة الماجستير حول آليات صناعة النخبة السياسية الأردنية. نسعى من خلالها لقراءة محطات دولتنا ورجالاتها بموضوعية وتجرد؛ حمايةً لذاكرتنا الوطنية، ووضعاً لتجارب أصحاب القرار بين يدي الأجيال القادمة لتكون أثراً أبقى وأكثر نفعاً.
**
* التخلص من الوصاية الأجنبية: صراع "العقيدة العسكرية":
لم تقتصر استراتيجية الملك الحسين بن طلال في هندسة وبناء الدولة على استقطاب النخب المدنية والحزبية فحسب، بل أدرك مبكراً أن الاستقلال السياسي لا يكتمل دون توطين القيادة العسكرية وبناء نخبة أمنية وطنية خالصة تدين بالولاء للعرش.
لم يكن الخلاف مع غلوب باشا مجرد خلاف إداري، بل كان صداماً جوهرياً حول "العقيدة العسكرية" للجيش الأردني، فقد كشفت الوثائق والمذكرات أن غلوب كان يتبنى استراتيجية تهدف إلى إبقاء الجيش الأردني كقوة شرطية خفيفة التسليح، ويتبنى خطة تعتمد على "التراجع" في حال وقوع أي هجوم إسرائيلي والتخلي عن أجزاء من الضفة الغربية. 
في المقابل، كان الملك الحسين يصر على بناء جيش حديث مزود بالأسلحة الثقيلة وقوة جوية رادعة قادرة على حماية الحدود الطويلة والرد على الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة. 
وإلى جانب هذا الخلاف الاستراتيجي، مارس غلوب سياسة "الفرز الإقصائي" الممنهج لتعمد تهميش الضباط الأردنيين لإعاقة تشكيل قيادة عسكرية وطنية.
**
* الإخراج الدستوري للقرار: مباغتة مجلس الوزراء والتباين في المواقف:
كان الملك الحسين يدرك أن إزاحة نفوذ متجذر كالفريق غلوب يتطلب "ضربة استباقية" حاسمة. تكشف المصادر التاريخية، وتحديداً ما وثقه كتاب "على جمر الغضا"، عن تباين واضح في مواقف النخبة السياسية داخل مجلس الوزراء لحظة تلقي القرار. 
فعندما توجه الملك الحسين في صباح الأول من آذار إلى دار رئاسة الوزراء برفقة مرافقه العسكري علي أبو نوار، وسلم رئيس الوزراء سمير الرفاعي قائمة الإعفاءات وعلى رأسها غلوب باشا، أبدى الرفاعي تردداً وحذراً سياسياً بالغاً، قائلاً للملك: "يا سيدنا هذه بريطانيا..".
**
أمام هذا التردد، حسم الملك الموقف بصرامة الإرادة السيادية القاطعة: "هذا قرار نهائي لا عودة فيه" ، ووجه حديثه لمرافقه العسكري للضغط على الرفاعي: "يا علي إذا لم ينفذ سمير باشا، تولّ أنت التنفيذ" .
طلب الرفاعي إمهاله لعقد اجتماع طارئ لمجلس الوزراء، وخلال الاجتماع، كان الموقف صعباً ودقيقاً، حيث لم يكن الرفاعي مقتنعاً بطرد غلوب، وحاول معرفة من يقف وراء هذه الفكرة مبدياً خشيته من رد الفعل البريطاني. وهنا تدخل علي أبو نوار لطمأنته وتأكيد السيطرة العسكرية المطلقة، قائلاً للرفاعي: "يا سمير باشا إذا كان لديك أي شك في سيطرتنا على الموقف اصعد أنت والوزراء إلى سطح مبنى الرئاسة. وسوف أعطي من هذا المكان الأمر بإشعال معسكر الجيش البريطاني في مطار عمان بالقذائف حتى تطمئن".
**
وعند استدعاء غلوب باشا، برز التباين مرة أخرى بين دبلوماسية الرفاعي وحزم النخبة الوطنية، فقد حاول الرفاعي تلطيف الموقف لغلوب قائلاً: "أنت تعلم يا باشا أنني كرئيس وزراء أقيل أو أستقيل ثم أعود، وأنت في حاجة إلى بعض الراحة".
في المقابل، انبرى وزير الداخلية فلاح المدادحة، الذي كان داعماً بقوة للقرار معتبراً إياه شرفاً قُدم على طبق من فضة، ليخاطب غلوب بلهجة حازمة: "يا باشا صار لك 26 سنة وانت راكب هذا البلد ملط. كافيك، حان الوقت ترجع لاهلك... أمامك ساعتين لتتحرك إلى المطار" .
ورغم حزم المدادحة، رضخ سمير الرفاعي لطلب غلوب وسمح له بالبقاء حتى السابعة من صباح اليوم التالي، وهو تنازل وضع الضباط الأردنيين في موقف حرج للغاية، خشية أن تستغل السفارة البريطانية هذا التأخير لتحريك قواتها أو إفشال الخطة.
**
* الزلزال في لندن: صدمة بريطانيا ومحاولات السفير الفاشلة:
وقع القرار في العاصمة البريطانية لندن وقع الزلزال المدمر. فقد اعتبرت الحكومة البريطانية، برئاسة السير أنتوني إيدن، أن طرد غلوب باشا بتلك الطريقة يمثل إهانة وضربة قاسية للهيبة البريطانية في الشرق الأوسط، وتوالت البرقيات التي تلتمس من الملك التراجع عن قراره.
وفي عمّان، طلب السفير البريطاني "تشارلز ديوك" مقابلة الملك في ساعة متأخرة من الليل في محاولة يائسة للضغط عليه، محذراً من العواقب الوخيمة وأن القرار قد يكون خطيراً بالنسبة للمملكة. لكن الملك واجهه ببرود وثبات سيادي، رافضاً أي نقاش في قرار يعتبره شأناً أردنياً داخلياً يمس مصلحة البلد، قائلاً للسفير: "اعتقد، سيد ديوك، أن ما فعلته هو لمصلحة بلدي، ولن اعدل عن قراري، مهما كانت النتائج".
**
ويذكر اللواء علي أبو نوار في كتابه " حين تلاشت العرب"، حادثة تدل على تماسك الجيش ضباطا وافرادا خلف القرار الملكي بإنهاء خدمات غلوب باشا، حين حاول غلوب باشا الخروج من منزله بعد وضعه في الإقامة الجبرية حتى موعد سفره خارج الاردن، إذ حاول غلوب باشا اللقاء مع السفير البريطاني في قاعدة السلاح الجوي في بريطانيا الساعة الخامسة والنصف صباحا، فتمت محاصرة منزله ومنعه من الخروج. وصدف ان كان في القوة المحاصرة لمنزله الملازم ذوقان حنيف الشعلان الذي سبق ان جنّده غلوب وادخله مدرسة الجيش، فصاح عليه غلوب ( جيت في وقتك يا ذوقان، ابعد هؤلاء الكلاب عن طريقي)، فكان رد الملازم ذوقان عليه ( احفظ كلامك من الغلط، وارجع إلى بيتك وإلا جعلتك انت وعسكرك هباء).
**
لقد أثبتت هذه المواجهة انتهاء حقبة "المندوب السامي" وبداية حقبة السيادة الوطنية الحقيقية.
**
* فراغ القيادة وإحلال "النخبة الهجينة":
استثمر النظام السياسي هذا الفراغ القيادي ببراعة لإحلال نخبة من الضباط الأردنيين الشباب، فتم ترفيع الزعيم راضي عناب وتعيينه كأول رئيس أركان أردني للجيش، تبعه تصعيد سريع للواء علي أبو نوار وحابس المجالي.
بعد عام 1956، تحولت المؤسسة العسكرية والأمنية إلى المصنع الأول لإنتاج النخبة السياسية والإدارية، وأسست لـ "النخبة الهجينة" (العسكرية - البيروقراطية)، فالكثير من الضباط الأردنيين الذين صعدوا إثر قرار التعريب انتقلوا لاحقاً إلى الحياة المدنية ليتبوأوا أرفع المناصب السياسية.
**
* هندسة النخبة البديلة في الظل:
تكشف القراءة المعمقة للأحداث أن "شرارة القرار" انطلقت عندما قدم غلوب باشا للملك قائمة بأسماء ضباط أردنيين وطنيين لنقلهم أو تسريحهم. هنا قرر الملك قلب الطاولة، بعد أن مهد لعملية إحلال نخبوي جذري في الظل، فقد أدرك الحسين مبكراً ضرورة كسر "احتكار غلوب للمعلومات"، وقام بتعيين الضابط الشاب (علي أبو نوار) كبيراً لمرافقيه العسكريين، ليصبح حلقة الوصل مع التنظيم السري للضباط الأردنيين.
كانت هذه اللقاءات السرية بمثابة حاضنة تفريخ لنخبة سيادية وزعت أدوارها باحترافية.
**
الخلاصة البحثية:
أثبتت هذه النخبة العسكرية البديلة أنها كانت "جهاز دولة موازٍ" أعده الملك بعناية، محولاً مؤسسة الجيش من أداة لحماية المعاهدة البريطانية إلى درع صلب لحماية المشروع الهاشمي المستقل. 
لقد منحت هذه النخبة، التي جمعت بين الكفاءة الميدانية والوعي القومي، الملك الجرأة السياسية لاتخاذ قراره وهو واثق من سيطرته الفعلية على الميدان. 
إن نجاح الملك والضباط في الحفاظ على سرية تحركهم بعيداً عن أعين الاستخبارات البريطانية يعكس قوة "العصبية النخبوية" التي جمعتهم، والتي أثمرت عن فرحة شعبية عارمة مهدت الطريق فيما بعد لإلغاء المعاهدة الأردنية البريطانية، وتأسيس عقيدة عسكرية وطنية خالصة.
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير