جفرا نيوز -
فرح حامد سمحان
الملك الذي كان صريحًا في حديثه من الزرقاء "مدينة العسكر" عن صعوبة الوضع، يُدرك أن الأردنيين هم جمل المحامل الذي لا يرضخ لأزمة أو زوبعة بفنجان، وهو أراد إيصال رسالة أن الأردن الذي يقع في قلب الأزمات لا يكترث إلا لمصلحته، والأردن الذي مر عليه الكثير والكثير من المنغصات التي لو حدثت في دولة أخرى لكان الحال غير الحال، قادر أن يقوى على الظروف مهما كان شكلها ونوعها، وهذا ما يجب على المسؤولين وبعض الساسة فهمه، فمحاولة تأجيج المواقف، وزج أفكار بعيدة عن عقلية المواطن هو فراغ سياسي بحت؛ كأن يحاول أحدهم التحذير من غضب شعبي وخروج إلى الشارع، والغريب أن هناك من يتقبل أن تخرج هذه التصريحات من موالين، لكن لو خرجت من معارض أو جهة تحمل فكرًا مختلفًا لانقلبت الدنيا رأسًا على عقب، وكان الاتهام الأكبر هو التحريض على تخريب الدولة، وإعاثة الفساد فيها.
من راقب لقاء الملك في الزرقاء يوم أمس، وشاهد الناس في الشوارع، وشباب الجامعة الهاشمية وهم يلوحون ويهتفون للقيادة الهاشمية، يستطيع أن يأخذ تحليلًا مغايرًا لفرضية الخروج إلى الشارع التي يستند فيها بعضهم إلى أحداث 2018 وغيرها، وهي مقارنة فاشلة، فحينها خرج الناس؛ لأنهم لا يريدون الحكومة ، وينتقدون سياستها، ولم تخرج كلمة إسقاط نظام أو ما شابه، وبالتالي الخروج إلى الشارع لا يكون إلا للتعييش إلى الملك أو مناصرة قضية وطنية أو عروبية؛ كشرف الخروج من أجل فلسطين على سبيل المثال، وهذا ليس مستهجنًا على عقلية الأردني الذي يميز بين رغباته وقناعاته، وبين محاولات التسييس نحو نهج جس النبض الذي أصبحت لا تؤتي أُكلها.
نحن لا نعيش بأفضل حال في الأردن، فهناك صعوبات معيشية، وغلاء لا يحتمل، في الأردن هناك عائلات لا تأكل اللحم إلا في المناسبات، وهناك أهالي يحرمون أنفسهم من حياة كريمة لأجل أولادهم، في الأردن أصبح المواطن يخاف من الخروج بسيارته لغلاء البنزين؛ وهناك من لا يقوى أصلا على شراء مركبة، والتي لم تعد من كماليات الحياة، لكن مع هذا كله لا يريد الأردنيون تكرار تجارب دول أخرى تشتت وأصبحت بؤرًا للإرهاب والمخدرات والفساد، الأردني لا يقبل إطلاقًا بمسمى اللاجئ، بل يستقبل اللاجئين على أرضه على الرغم من قلة موارده، والأردني أيضًا لديه الولاء والانتماء لأرضه، ويحب قائده ليس نفاقًا ولا مواربة، فالحريات الآن لم تعد مكبوته، وكل شخص بإمكانه التعبير عن رأيه لو أراد دون أن يهاب أحد، وللعلم هناك جماعات معارضة يأتون إلى الأردن ويصلون المطار ويتجولون في شوارع عمّان، ومن ثم يسافرون من جديد، ويخرجون ببث مباشر فيه من الإساءة للوطن وقيادته ما يكفي لشنقهم حتى.
الأردن يسير اليوم نحو الطريق الأبيض لا الرمادي، والحكومة التي يرأسها جعفر حسان ليست ملائكية حد العذرية، لكنها لا تعمل وفق أهوائها الشخصية كما كان يحدث في عهد بعض الحكومات السابقة، على الأقل هم يخرجون إلى الشارع، وهذا على أية حال أفضل من خروج الناس إلى الشارع كما يُروج له، فمتى كانت آخر مرة خرجت الأجهزة الأمنية لفض مظاهرة عنوانها غلاء الأسعار أو صعوبة الظروف المعيشية؟ ؛ ولأن من يريد ذلك لا يعرف أن الولاء للأرض يسبق كل شيء، وأن الناس تحب الملك أكثر من فكرة الخوف من الحديث عنه.
فمن يُريد الحديث لن يهاب شيء، خاصة وأن الفضاء أصبح واسعًا، والكبير والصغير يناشد الملك في وقت لا يجرؤ المواطنون في دول أخرى من ذكر قياداتهم، الأردن حالة خاصة لا تتكرر، والأردني عقله أوزن من التأثير عليه، وبالمناسبة الأردني همه تأمين لقمة عيشه، لا الخروج إلى الشوارع، فهذه محاولات جس نبض معيبة جدًا لا ترقى لمستوى النقد البتة، ربما على هؤلاء الاسترخاء والنظر إلى ما حدث أمس في مدينة العسكر .