م.مجدي القبالين
تعليقاً على الفاجعة المروعة التي شهدتها محافظة الكرك يوم أمس، حين أقدم أب، بكل أسف، على إزهاق أرواح أطفاله الثلاثة (5، 7، 10 سنوات).
لن يروق هذا الطرح للكثيرين، بس كالعادة هو كلام لازم نحكيه، لا بد من القول إن معضلتنا الحقيقية في الأردن ليست في وقوع هذا النوع من الجرائم بحد ذاتها , هي بالنهاية ظاهرة إجرامية تحدث في مختلف دول العالم، وهذا بطبيعة الحال لا يقلل من فداحة وبشاعة هذه الجريمة.
مشكلتنا الجوهرية تكمن في حالة اسمها "الإنكار المجتمعي"؛ في الاردن احنا نرفض دائماً الاعتراف بوجود خلل من الأساس. ببساطة اكثر عن ثقافة "المكابرة" كل واحد فينا بعتبر نفسه هو الصح والباقي كله غلط ، حتى فيما يخص صحتنا النفسية !
كم أردني يقصد عيادة طبيب نفسي أو أخصائي علاج سلوكي لما يواجه أزمة نفسية ويشعر بالحاجة إلى الدعم؟ ستجدون أن النسبة ضئيلة جداً مقارنة بمن يحتاجون تدخل سريري فعلي .
بكل بساطة احنا استبدلنا المنهجية العلمية بممارسات شعبوية، وتم توظيف الدين فيها بطريقة لا تليق بقدسيته. نعم، القرآن الكريم مقدس وملاذ روحي، ولكنه لم يُنزل ليكون بديلاً عن الطب النفسي ! اللجوء إلى الرقية بناءً على تشخيصات شعبية سطحية من واحد بسمي حاله شيخ وهو مش مخلص صف عاشر وحضرته شخص حالة المريض (بالسحر او الحسد) لا يعالج الاختلالات الكيميائية أو الاضطرابات العصبية التي بدها تدخل طبي فعلي !
نحكي بنقطة أعمق وأخطر , هل تعتقدون أن الاستجابات "المتطرفة" لشريحة واسعة من المجتمع تجاه قضايا عادية هو أمر طبيعي؟ مثلاً اذا صرح أحدهم بكلام مسيء عن الأردن، ستتفاجأ بأن المطالبين بمحاسبته وفقاً لـ "سيادة القانون" هم قلة نادرة، بينما ستطالب الأغلبية بعقوبات انتقامية غوغائية كسحب الجنسية، أو السجن المؤبد، أو حتى الإعدام والتنكيل (وهذا واقع وحقيقة). في المقابل، وبمفارقة نفسية غريبة، إذا أقدم شخص على قتل أخته أو ابنه، ستجد الكثيرين يتسابقون لاختلاق المبررات والأعذار له؛ وهذا واقع أيضاً!
وإذا أمعنا النظر في الجانب الأيديولوجي، سنجد عنا أزمة أعمق. خذ حالة غزة على سبيل المثال؛ موجود شريحة واسعة تخلق تبريرات لا حصر لها لحركة حماس، وتسبغ عليهم صفة البطولة المطلقة. لماذا؟ لأن العقل الجمعي لدينا جُبل على "رومانسية العنف"، وعلى كراهية الحياة، وتقديس حتمية "التضحية العدمية" حتى لو كانت النتيجة خسارة كل شيء. مع ان أولويات العقل السليم هي الحفاظ على الإنسان، والأرض، والمقدرات، لكننا بدلاً من ذلك، نبتكر مصطلحات فضفاضة تحت شعارات الكرامة والعروبة ، مفتقرين إلى ميزان عقلاني يفرق بين الضرورة القصوى للمقاومة والدفاع عن النفس، وبين الحماقات التي تودي بالأرض والعرض والمقدرات. هذا التشوه المعرفي ينسحب حتى على بعض الأحزاب ذات الصبغة الدينية؛ إذ لو ناقشت بعض كوادرها الشبابية أو ممثليها في البرلمان، ستلمس "نزعة عنف مبطنة" تُشرعن تحت غطاء الدين أو مكافحة الفساد او تبرير اي دمار وقرار خاطئ تحت بند ( الجهاد والكرامة ) !
نرجع لموضوع الكرك وخطورة ما حدث, تخيل الي ارتكب الجريمة امس أب غير متعاطٍ للمخدرات، وليس له سجل إجرامي. كيف يفسر العلم هذه الحالة؟ ما معنى أن يوثق أبٌ مشهد قتله لأطفاله ويبعث بالصور لوالدتهم؟ في علم النفس السريري والجنائي هذا اشي اسمه "عقدة ميديا" (Medea Complex)، وهاي متلازمة نفسية مظلمة يُقدم فيها أحد الوالدين على إيذاء أطفاله بهدف إلحاق ألم نفسي مدمر ولا يُطاق بزوجته ولذلك ارسل لها الصور لانه عنده سادية ( مثل كثير ناس ) والسبب انه بده يخلي عندها الم دائم ومستمر.
نفس حالة هذا الاب اسقطوها على الشعب الاردني كامل , كم واحد فينا يعتبر اي خلاف بسيط بينه وبين اي شخص يفسره انه هجوم مبيت وانه عداء شخصي متجذر وانه لازم ينتقم منه وما عنده مشكلة يموته اذا ضمن ( انه لن يحاسب ) وهذه حقيقة راسخة في الاردن , عادي عنا جرائم قتل صارت بسبب خلاف على كرسي داخل باص عمومي !
على فكرة هذه حقيقة راسخة عنا , على خلاف بالرأي احنا مستعدين نحكم على شخص بالاعدام تحت مسميات كثيرة وهي اسمها انحياز العزو العدائي (Hostile Attribution Bias) يعني الشخص يفسر أي سلوك أو خلاف بسيط على أنه هجوم شخصي متعمد ومبيت ضده. إذا اختلفت معه على رأي تافه، يترجمه عقله على أنك تكرهه، وتتآمر عليه، وتريد إهانته، مما يولد داخله رد فعل عدائياً يتناسب مع "المؤامرة" التي تخيلها، فتصل به الأفكار لتمني الموت لك كرد فعل "دفاعي" في عقله!
عارفين شو الاخطر بكل هذا الحكي ؟
الاخطر هو ردود فعل مؤسسات الدولة في كثير من القضايا مع غرائز الجمهور وتعطشهم للبطش الاستعراضي؛ وهذا خلل جسيم. لان دور الدولة الأصيل يتمثل في ترسيخ مفهوم "سيادة القانون" المجرد من انفعالات ومعتقدات الأفراد. الدولة هي المظلة العقلانية التي يجب أن تقود وعي الجماهير نحو ردود الفعل المتزنة، لا أن تنجرف مع تيار الغوغاء وتنفذ ما يمليه عليها الشارع المأزوم!