النسخة الكاملة

هل أصبح الأطفال أداةً للانتقام؟

الأحد-2026-04-26 09:46 am
جفرا نيوز -
المحامي بدر خالد الحراسيس باحث دكتوراه في قضايا أمن الدولة
في ظل تزايد وتيرة الجرائم الأسرية التي تهزّ الرأي العام، يبرز إلى السطح نمط خطير من السلوك الإجرامي يتمثل في استهداف الأطفال بوصفهم الحلقة الأضعف في النزاعات العائلية. وقد أعادت الجريمة المروّعة التي شهدتها محافظة الكرك، والتي أقدم فيها أبٌ على قتل أطفاله الثلاثة طعنًا، طرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة هذه الجرائم ودوافعها.

ولا يمكن النظر إلى هذه الحادثة بمعزل عن سياق أوسع، إذ تُصنّف مثل هذه الأفعال ضمن الجرائم التي تشهدها مجتمعات متعددة حول العالم، مع اختلاف السياقات والظروف. وتشير الدراسات إلى أن دوافع هذا النوع من الجرائم قد ترتبط بعوامل متعددة، من بينها تعاطي المخدرات، أو الاضطرابات النفسية والعقلية، أو ضعف القدرة على التحكم بالانفعالات، خصوصًا في حالات الغضب الشديد.

إلا أن غياب هذه المبررات في بعض الحالات يفتح الباب أمام تفسير أكثر خطورة، يتمثل في انهيار المنظومة القيمية والإنسانية لدى الجاني. فالعلاقة الأبوية بطبيعتها تقوم على الرعاية والحنان والحماية، وهي من أسمى الروابط الإنسانية، غير أن ما نشهده في مثل هذه الجرائم يعكس تحوّلًا مأساويًا، حيث يُستبدل هذا الدور الطبيعي بسلوك انتقامي يتجرد من أدنى معايير الإنسانية.

وإذا ما افترضنا أن الدافع الكامن وراء هذه الجريمة هو الانتقام من الطرف الآخر في العلاقة الزوجية، فإن ذلك يطرح تساؤلًا أخلاقيًا وقانونيًا بالغ الأهمية: ما ذنب الأطفال في صراعات الكبار؟ إن الزجّ بهم في دائرة الانتقام لا يمكن تبريره تحت أي ظرف، بل يشكّل جريمة مركبة تتقاطع فيها الأبعاد الجنائية والإنسانية.

ومن زاوية الردع، يُثار التساؤل حول مدى كفاية العقوبات المشددة في مواجهة هذا النمط من الجرائم. والواقع أن من يقدم على قتل أبنائه قد بلغ درجة من القسوة والانفصال النفسي تجعله غير آبه بالعواقب، الأمر الذي يستدعي تبني مقاربة شمولية لا تقتصر على العقوبة، بل تمتد لتشمل الوقاية والمعالجة النفسية وتعزيز منظومة القيم داخل المجتمع.

وفي المحصلة، تبقى هذه الجرائم وصمة عار في جبين الإنسانية، وتستدعي وقفة جادة من مختلف الجهات المعنية، حمايةً للأطفال وصونًا لحقهم الأصيل في الحياة والأمان. ويظل التساؤل الأخلاقي الخالد حاضرًا: ﴿بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾، في إدانةٍ صريحة لكل فعلٍ يتجاوز حدود الإنسانية.
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير