النسخة الكاملة

عن عبدالاله باشا..!

السبت-2026-04-25 02:47 pm
جفرا نيوز -
الدكتور رائد المشاوِره

قبل ثمانيةٍ وعشرين عامًا، بدأتُ عملي في السفارة الأردنية في ماليزيا، وكانت تلك الخطوة أشبه بصفحةٍ بيضاء تُكتب بحبر التجربة الأولى خارج حدود الوطن. يومها، شعرتُ أنّ الأقدار تتقدّم أمامي بسلاسةٍ عجيبة؛ فقد سبقت تلك المرحلة تجارب مبكرة في وزارتي التربية والشباب، ومدينة الحسين للشباب، والجيش، وغيرها من مواقع العمل، رغم حداثة سنّي، قبل الجامعة وخلالها وبعدها. وكأنها عناية الله التي تتنزّل على قدري، ودعوات والدين صادقين بلغت أبواب السماء فلم تُرد؛ فالتوفيق يقترن ببرّ الوالدين ورضاهما. جزاهما الله عني كل خير، فقد أقلقتهما غربتي، وهزّت قلبيهما سنواتٍ من البعد.

كان مقرّ السفارة آنذاك في مبنى أنيق، يتوسّط أرقى حيٍّ دبلوماسي، يليق بحضور الدولة وهيبتها. وهناك التقيت لأول مرة بعطوفة السفير عبدالإله باشا الكردي، أول سفيرٍ للأردن في ماليزيا، والرجل الذي اتخذ قرار تعييني وتنسيبي، فكان ذلك القرار مفتاحًا لرحلةٍ مهنيةٍ وإنسانيةٍ عميقة الأثر خارج الحدود.

كان يغلب عليه الصمت، وتعلو ملامحه مسحةٌ من الجديّة التي قد تُفسَّر للوهلة الأولى على أنها صرامة، لكنها في حقيقتها كانت ستارًا لعمقٍ إنسانيٍّ رفيع. خلف ذلك السكون يقف رجل دولةٍ راسخ، تشكّل وعيه في ميادين المسؤولية، وانتمى إلى جيلٍ من بنى المؤسسات بصمت، ورسّخ دعائمها بعيدًا عن الأضواء والضجيج. وحين جاء تكريمه بوسام مئوية 
الدولة لدوره في تطوير الامن الوطني والمخابرات العامة ، شعرتُ أنّ التكريم لم يأتِ إلا ليضع اسمه في موضعه الطبيعي؛ فبعض الرجال لا تُقاس إنجازاتهم بعدد السنوات، بل بعمق الأثر الذي يتركونه في ذاكرة الوطن وسعدت جدا لتكريمه  لانه نظيف ورجل صاحب قرار لا يرتجف في يده القلم  وقد تأثرت كثيرا من سلوكه وصبره وإلتزامه… 

أبو ليث لم يكن رئيسًا ومديرا عاما وسفيرا  في العمل، بل كان مدرسةً متكاملة في القيم. علّمني أن خدمة الأردن ليست وظيفة تُؤدّى، بل رسالة تُحمل، وأن الوفاء ليس كلمة تُقال، بل سلوكٌ يُعاش. ومن أدقّ ما علّمني أن احترام الناس يبدأ من تفاصيل صغيرة قد لا يلتفت إليها كثيرون. كان إذا استقبل زائرًا لا يكتفي بالمصافحة، بل يرافقه حتى باب السفارة، وأحيانًا إلى سيارته، وكأنه يودّع في كل مرة جزءًا من ذاته. ذلك المشهد البسيط كان يحمل في طيّاته درسًا بليغًا في التواضع والكرامة.

وكان قريبًا من الناس، حريصًا على أبناء الجالية، وخاصة الطلبة الذين كانوا يرون فيه ظلّ الوطن في غربتهم. يفتح بيته قبل مكتبه، ويجمعهم على موائد الألفة في الأعياد والمناسبات، فيمنحهم شعورًا بأنهم لم يغادروا وطنهم إلا جغرافيًا.  وكان يدعو المشايخ في رمضان، لم يكن ذلك تكلّفًا ولا مجاملة، بل خُلُقًا أصيلًا يفيض من طبيعته، ويتجلّى في حديثه الهادئ، وفي قدرته على الإصغاء  الطويل قبل أن يتكلم.

ومن المواقف التي لا تغيب عن ذاكرتي، يوم وفاة المغفور له الملك الحسين رحمه الله، الوالد الباني. بدعوةٍ منه، ذهبتُ مع أحد الزملاء لمتابعة مراسم التشييع عبر إحدى الشبكات العالمية، في زمنٍ كانت فيه مصادر الأخبار المباشرة محدودة، وكان البث عبر قنوات مثل CNN نافذتنا . جلسنا نتابع المشهد المهيب، وكان الحزن سيّد اللحظة. يومها رأيتُ الدموع في عينيه تسبق صمته، وتكشف عن عمق انتمائه وصدق وفائه
. كان حزنًا صادقًا لا يُتكلّف ولا يُخفى، على رجلٍ كان بالنسبة له أكثر من قائد؛ كان رمزًا ومرجعًا.

أما بمناسبة زواجي في ذلك الوقت وبعد عودتي من عمان، فكان له موقفٌ لا يقلّ أثرًا؛ إذ أصرّ أن يكون بيته مكانا لتقديري، وقال لي ببساطة الكبار: "ادعُ من تشاء”، وأوعز بإعداد الطعام. لم يكن الأمر مجرّد استضافة، بل كان درسًا حيًّا في الكرم، وفي رعاية من يعمل معك، وفي إدراك أن العلاقات الإنسانية أعمق من حدود الوظيفة. يومها فهمتُ أن بعض الرجال يُكرمونك لا لحاجتك، بل لأن السخاء جزءٌ من هويتهم.

كانت تجربتي في ماليزيا ثريةً، لا بما شهدته من أحداث فحسب، بل بنوعية الرجال الذين التقيت بهم. وحين انتقلت لاحقًا إلى محطاتٍ أخرى، ومنها عملي في السفارة في أستراليا وغيرها، أدركتُ الفارق الكبير بين من يقود بروح الدولة، ومن يدير بعقل الموظف. كان أبو ليث نموذجًا نادرًا: قارئًا نَهِمًا للصحافة العالمية، متقنًا للغة الإنجليزية، شديد الدقة في مواعيده، صارمًا في التزامه، متواضعًا في حضوره. كان يصل إلى عمله قبل الجميع، ويبقى بعدهم، وكأنه في بداية طريقه، لا في ذروة موقعه.

وهكذا تمضي السنوات، ولا يبقى منها إلا ما كان صادقًا. تبقى الوجوه التي علّمتنا، والمواقف التي شكّلتنا، والذكريات التي تعيد تعريف المعنى الحقيقي للنجاح. وحين أستعيد تلك المرحلة، لا أرى مجرد تجربة عمل، بل أرى أثر رجلٍ استثنائي، غمرني بلطفه ورعايته، وترك في داخلي درسًا خالدًا: واسأل الله ان يمتعه بالصحة والعافيةً ويجزيه خير الجزاء. أن عظمة الإنسان لا تُقاس بما يقول، بل بما يفعل… وبما يزرعه في قلوب من عرفوه من أثرٍ طيبٍ لا يُنسى.

*الدكتور رائد المشاوِره عضو اللجنة التنفيذية لاتخاذ الكتاب العرب الدولي ومدير مكتب أستراليا
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير