النسخة الكاملة

بذرة سقوط إسرائيل في ذروة صعودها

الخميس-2026-04-23 09:52 am
جفرا نيوز -
رومان حداد

نحت إسرائيل خلال العامين الماضيين بتسويق نفسها كدولة حققت مكاسب عسكرية وأعادت تشكيل التوازنات الجيوسياسية في المنطقة، ولكن في ذروة ما يبدو أنه صعود إقليمي لإسرائيل، تتشكل في العمق بذور تراجع قد تكون أكثر تأثيراً من أي تهديد خارجي على دورها المستقبلي وربما وجودها نفسه.

فإسرائيل خلال العامين الماضيين كانت تخوض الحروب على أكثر من جبهة خارجية، ولكنها كانت تخوض حرباً داخلية أكثر شراسة وأقل ظهوراً إعلامياً، حيث كانت الطغمة الحاكمة في تل أبيب تعيد تعريف الدولة الإسرائيلية داخلياً بطريقة تضعف قدرتها على استثمار هذا الصعود العسكري، فجوهر التحول الحقيقي لا يكمن في سلوكها العسكري وقدراتها العسكرية، بل في طبيعة النظام السياسي والاجتماعي الذي تم فرضه وأخذ يتشكل تحت ضغط تحالف اليمين السياسي بقيادة بنيامين نتنياهو مع عرابي اليمين الديني السياسي.

خلال العقدين الماضيين، قاد نتنياهو سلسلة من المناورات السياسية التي لم تقتصر على إدارة السلطة، بل أعادت تموضع حزب الليكود من يمين الوسط إلى اليمين الصلب، ما جعله أسيراً لتحالفات ضرورية مع قوى دينية متشددة، وهذا التحول الذي بدأ تكتيكياً في البداية، تحول ليصبح تحالفاً بنيوياً، إذ نقل مركز الثقل في النظام السياسي الإسرائيلي من نموذج الدولة ذات الطابع المدني إلى نموذج تزداد فيه سطوة الخطابات والمرجعيات الدينية على القرار العام.

انعكاسات هذا التحول تتجاوز البنية السياسة إلى بنية المجتمع ذاته. فتصاعد نفوذ اليمين الديني يعيد تشكيل الهوية الإسرائيلية من مجتمع يسعى لتقديم نفسه كجزء من الغرب الديمقراطي، إلى مجتمع أكثر انغلاقاً وأقل تسامحاً مع التعددية الداخلية، وهو ما يؤدي إلى تعمق الشعور بالتهديد من المحيط، ويتعزز خطاب ما يمكن تسميته "الحصار الوجودي"، وهو ما يدفع المجتمع إلى التحول تدريجياً نحو "مجتمع حرب" لا "مجتمع سلم"، وفي مثل هذه البيئة، تصبح القوة العسكرية أداة دائمة لا ظرفية مؤقتة، ويتراجع الاستثمار في التسويات السياسية على المستوى الداخلي والإقليمي لصالح منطق الردع الأمني والعسكري المستمر.

المفارقة في هذا المسار، أنه في الوقت الذي يُظهر إسرائيل كقوى عسكرية إقليمية لا منازع لها، يضرب في الصميم الرواية التأسيسية التي قدمت إسرائيل نفسها من خلالها للغرب، وهي أن إسرائيل دولة علمانية ديمقراطية في محيط مضطرب.

اليوم، ومع تغول الدين في السياسة إسرائيلياً، وتراجع التوازن بين السلطات، واحتدام الصراع بين التيارات العلمانية والدينية، تتآكل هذه الصورة بشكل متسارع، حيث لم يعد الانقسام داخل المجتمع الإسرائيلي أفقياً قابلاً للإدارة، بل بات طولياً وعميقاً، يفصل بين معسكرات متباينة في رؤيتها لطبيعة الدولة وحدودها.

هذا الانقسام الداخلي يحد من قدرة إسرائيل على تحويل إنجازاتها العسكرية إلى مكاسب استراتيجية مستدامة، فالدول لا تُقاس قوتها فقط بقدرتها على الانتصار في الحروب، بل بقدرتها على بناء استقرار داخلي وتقديم نموذج سياسي قابل للحياة، إلا أنه مع تعمق التصدعات الداخلية الإسرائيلية، تصبح الإنجازات العسكرية عبئاً أكثر منها رصيداً، لأنها ترفع سقف التوقعات دون أن توفر الأدوات السياسية لتحقيقها.

على المستوى الخارجي، يؤدي هذا التحول إلى تآكل الشرعية الأخلاقية والسياسية التي طالما استندت إليها إسرائيل في علاقاتها مع الغرب، فالدعم الدولي لا يقوم فقط على المصالح، بل أيضاً على القيم المشتركة، ومع تراجع الطابع الديمقراطي العلماني، تصبح إسرائيل أقل قدرة على تسويق نفسها كشريك "مشابه" للغرب، وأكثر عرضة للانتقاد والعزلة التدريجية.

في ضوء هذه التغييرات الجذرية، تبرز فرصة تاريخية أمام المشرق العربي ومنطقة الخليج العربية لإعادة تعريف موقعهما، فبدلاً من أن تبقى المنطقة ساحة تنافس بين مشاريع خارجية، صهيونية وفارسية،يمكن لدول المشرق العربي، من مصر إلى الأردن وسوريا ولبنان والعراق، وبالتكامل مع دول الخليج العربية، أن تبلور مشروعاً عروبياً واعياً يستند إلى المصالح المشتركة والتنمية والاستقرار، ولكن مثل هذا المشروع لا يقوم على رد الفعل، بل على المبادرة، ويجب ألا يكتفي بموازنة القوى، بل يسعى لإعادة صياغة قواعد اللعبة.

قد تبدو اللحظة الحالية لحظة تفوق إسرائيلي، لكنها في العمق تحمل ملامح تحول أعمق، فالدول التي تبالغ في إعادة تعريف ذاتها على أسس إقصائية، غالباً ما تزرع بذور تراجعها من الداخل، وبينما تنشغل إسرائيل بتكريس نموذجها الإسبارطي الجديد، فإن الحالة العروبية المشرقية الخليجية أمام فرصة نادرة لإعادة بناء مشروعها الحضاري والسياسي الخاص، واستعادة دورها كفاعل رئيس لا كساحة صراع، كما كانت لعقود.

© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير