جفرا نيوز -
ناصر محمد الحجايا
حينما نتحدث عن الانتماء والوفاء…في صحراء جنوب الأردن، حيث تمتد الرمال بلا نهاية، وحيث يختبر الرجال معادنهم كما تختبر الرياح الصخور، كانت الحياة تُبنى على قيم لا تتغير… الكرم، الشجاعة، والوفاء.
في ثلاثينيات القرن الماضي، عاش الشيخ ضيف الله ابو الصقور ، أحد أعيان قبيلة الحويطات، رجلًا عرفته الصحراء كما تُعرف النجوم في ليلها. وكان، رحمه الله، مولعًا بتربية الصقور، تلك الهواية التي لم تكن مجرد ترف، بل إرثًا بدويًا يعكس الفروسية والهيبة والصبر.
كان للصقر مكانة خاصة عنده، لا كطيرٍ يُربّى، بل كرفيقٍ يُصان ويُفهم.
وفي يومٍ من الأيام، قرر الشيخ الجليل أن يُطلق سراح أحد صقوره… ربما إيمانًا منه أن الحرية هي الأصل، أو اختبارًا لعلاقةٍ لا تُقاس بالقيد.
انطلق الصقر نحو السماء، حرًا كما خُلق… لكن ما حدث بعد ذلك كان أبعد من التوقع.
فبرغم حريته، ظلّ الصقر، لأكثر من شهر، يحوم حول ديوانه، يعلو ويهبط، يبتعد قليلًا ثم يعود، كأنه لا يزال يرى في ذلك المكان وطنه الحقيقي.
لم يكن جوعًا يعيده، ولا قيدًا يربطه… بل كان وفاءً خالصًا.
وفاءٌ لا يُفرض… ولا يُشترى.
وقف ضيف الله متأملًا هذا المشهد الغريب، وقد أدرك أن العلاقة التي بناها مع هذا الطير تجاوزت حدود الترويض، لتصل إلى معنى أعمق… معنى الوفاء والانتماء الحقيقي.
ومنذ ذلك الحين، أطلق عليه الناس لقب "أبو الصقور"، ليس فقط لأنه ربّاها، بل لأنه فهمها… وأحبها… وأحبّته.
ولا يزال هذا اللقب حيًّا في عائلته "الجازي" وقبيلته الحويطات ، يُروى كما تُروى قصص البادية، شاهدًا على أن الوفاء لا يقتصر على البشر… بل قد يسكن قلب طيرٍ حر.