النسخة الكاملة

الدولة القومية في مواجهة السلطة الأخلاقية

حين تتصادم العقيدة مع الضمير

الإثنين-2026-04-13 09:56 am
جفرا نيوز -
م. سعيد بهاء المصري

 من التباين إلى الصدام البنيوي

لم يعد الخلاف بين الدولة القومية والسلطة الأخلاقية مجرد تباين في الرؤى أو اختلاف في أدوات إدارة الصراع، بل دخل طوراً أكثر تعقيداً ووضوحاً مع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية الجارية على إيران ولبنان. في هذه اللحظة التاريخية، تتقاطع القوة العسكرية مع الخطاب الديني، ويتحول الصراع من كونه سياسياً إلى ساحة أوسع تُختبر فيها حدود الأخلاق ذاتها. وفي قلب هذا المشهد، يبرز الفاتيكان بقيادة بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر في مواجهة نهج الدولة القومية كما تجسده الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب، حيث لم يعد الخلاف حول السياسات بقدر ما أصبح حول تعريف القيم نفسها وحدود استخدامها في إدارة القوة.

هذا الصدام ليس طارئاً، بل هو امتداد لمسار طويل من الاحتكاك البنيوي بين منطقين متوازيين؛ الأول يستند إلى السيادة والمصلحة والقوة، والثاني يستند إلى القيم والضمير الإنساني. فقد وقفت المؤسسة البابوية تاريخياً في موقع نقدي تجاه الحروب الاستباقية، كما حدث في العراق، وانتقدت اختلالات الاقتصاد العالمي، ودافعت عن المهاجرين بوصفهم قضية إنسانية لا أمنية. إلا أن هذا التباين ظل ضمن حدود يمكن احتواؤها، إلى أن دخل الدين نفسه إلى قلب خطاب الحرب، فانتقل الخلاف من مستوى السياسة إلى مستوى الشرعية الأخلاقية.

 توظيف الدين وعقيدة الحسم في الحرب والسياسة

التحول الأخطر في المرحلة الراهنة يتمثل في توظيف الدين كأداة مباشرة في تبرير الحرب، حيث لم يعد الدين إطاراً قيمياً ضابطاً، بل أصبح في بعض الخطابات عنصر تعبئة يمنح الصراع بعداً «رسالياً». هذا الاستخدام أعاد تعريف الحرب من كونها نزاع مصالح إلى محاولة إضفاء مشروعية أخلاقية عليها، وهو ما دفع الفاتيكان إلى موقف حاسم يرفض ربط الإيمان بالعنف، مؤكداً أن الله لا يمكن أن يكون مبرراً لأي حرب.

في هذا السياق، تظهر الحرب على إيران ولبنان كأوضح تجليات عقيدة الحسم بالقوة المفرطة، حيث يُطرح تدمير قدرات الخصم كطريق مختصر لفرض الاستقرار. هذا المنطق يقوم على فرض واقع جديد بالقوة، وعلى افتراض أن تقليص القدرات العسكرية للخصم سيؤدي إلى إنهاء التهديد. إلا أن الإشكالية التي يثيرها الفاتيكان تتجاوز البعد الإنساني المباشر، لتطرح سؤالاً استراتيجياً أعمق: هل يمكن أن يُبنى الاستقرار عبر التدمير؟ أم أن القوة غير المنضبطة تنتج دورات ممتدة من العنف وعدم الاستقرار؟

المفارقة أن هذه العقيدة لم تبقَ محصورة في الخارج، بل بدأت تنعكس على الداخل الأمريكي، خصوصاً في سياسات الهجرة وترحيل المقيمين، حيث يُعاد تعريف الإنسان ضمن معادلة أمنية، وتُقدَّم السيادة على حساب القيم. وهنا يتوسع الصدام ليشمل العقد الاجتماعي ذاته، إذ تتحول الدولة من إدارة التوازن إلى فرضه بالقوة، سواء في الخارج أو الداخل.

 المسيحية الصهيونية والتقاطع مع العقيدة الأمنية الإسرائيلية

ضمن هذا المشهد، يبرز دور المسيحية الصهيونية كعامل مؤثر في تشكيل البيئة الفكرية والسياسية الداعمة لعقيدة الحسم. هذا التيار لا يتعامل مع إسرائيل فقط كحليف استراتيجي، بل يراها ضمن تصور عقائدي يمنح الصراع بعداً يتجاوز السياسة إلى الإيمان، ما يعزز خطاب القوة ويمنحه شرعية داخلية لدى قطاعات مؤثرة في المجتمع الأمريكي.

هذا التداخل بين العقيدة الدينية والسياسة يضع الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب أمام معادلة معقدة، حيث تتقاطع ضغوط القاعدة الداخلية المتأثرة بهذا التيار مع متطلبات السياسة الدولية، ومع اعتراض الفاتيكان على تسييس الدين. وفي الوقت ذاته، يتقاطع هذا البعد مع العقيدة الأمنية الإسرائيلية التي ترى في الحسم العسكري خياراً وجودياً؛ ما يعزز منطق الضربات الاستباقية واستخدام القوة كأداة أولى لا أخيرة. ومع مرور الوقت، لم يعد الأمر مجرد تنسيق بين حليفين، بل تحول إلى تقاطع بنيوي في الرؤى.

 ازدواجية المعايير وصعود القوة المفرطة الانتقائية

غير أن أخطر ما يميز هذه المرحلة ليس فقط تصاعد منطق القوة، بل انتقائيته. فالقوة لم تعد تُمارس وفق معايير عامة قابلة للتطبيق على الجميع، بل وفق حسابات انتقائية تعيد تعريف من يستحق الحماية ومن يُترك لمصيره. هذه الازدواجية أدت إلى تآكل مفهوم العدالة ذاته، بحيث لم تعد العدالة معياراً موضوعياً، بل أداة قابلة لإعادة التفسير.

ومع هذا التآكل، يبرز نمط جديد يمكن وصفه بالقوة المفرطة الانتقائية، حيث تُستخدم القوة دون قيود أخلاقية ثابتة، ولكن ضمن إطار انتقائي يحدد من يُستهدف ومن يُحمى. وهذا التحول يقوض الثقة بالنظام الدولي، ويفتح الباب أمام تعميم هذا السلوك عالمياً.

 ما بعد الحسم

في نهاية المطاف، لا يدور الصراع بين أطراف سياسية بقدر ما يدور بين نموذجين لإدارة العالم؛ نموذج يرى أن الاستقرار يُفرض بالقوة، ونموذج يرى أن الاستقرار لا يمكن أن يتحقق دون عدالة تضبط هذه القوة. وفي ظل هذا التحول، يصبح السؤال الأهم: هل بقي للعدالة معنى بعد كل هذا؟

© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير