جفرا نيوز -
إياد العدوان
في أعقاب إقرار مجلس النواب بنود مشروع قانون"التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية" لعام 2026، تتجه الحكومة نحو إعادة هيكلة شاملة للمنظومة التعليمية، عبر دمج وزارة التربية والتعليم ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي، ضمن كيان حكومي واحد.
وتعتبر الخطوة التي تُعد من أبرز التحولات في قطاع التعليم الأردني خلال السنوات الأخيرة، تقدمًا رسميًا على أنها مسار نحو ( تكامل السياسات )، وتوحيد المرجعيات التعليمية، إلا أنها في المقابل تفتح بابًا واسعًا من التساؤلات حول طبيعة هذا التحول، وما إذا كان يمثل إصلاحًا هيكليًا حقيقيًا، أم إعادة تركيز للقرار التعليمي في مركز واحد.
القراءة الاستقصائية لمضامين القانون تشير إلى أن ما يجري يتجاوز مجرد دمج إداري، ليصل إلى إعادة رسم شاملة للمنظومة التعليمية، من حيث الحوكمة، وآليات صنع القرار، والعلاقة مع سوق العمل، وسط مخاوف متصاعدة من تغول المركزية على حساب التخصص والاستقلال المؤسسي.
وفي تسليط الضوء على المبررات التي استند إليها مشروع القانون، أكد الأكاديمي في جامعة البلقاء التطبيقية الأستاذ الدكتور محمود عبدالله الحبيس لـ جفرا نيوز، أن المبررات التي طُرحت لا تنعكس فعليًا في بنود المشروع، موضحًا أن ما ورد فيها "إنشائي” ولا يستند إلى مؤشرات قابلة للقياس أو التقييم، ما يضعف عملية التخطيط.
وأضاف أن غياب هذه المؤشرات قد يقود إلى بناء سياسات تعليمية قائمة على اجتهادات متخذي القرار، لا على أسس مؤسسية واضحة، داعياً إلى ضرورة تدوين رؤية واضحة لكيفية تحقيق مبررات القانون ضمن آليات تنفيذية محددة .
واشار الدكتور الحبيس إلى أن مشروع القانون الحالي الذي يتضمن 29 بندًا لا يختلف جوهريًا عن التشريعات السابقة، بل يعيد إنتاج أفكار قديمة تعود إلى قوانين وضعت في ستينيات القرن الماضي، ولكن بصياغة حديثة لعام 2026، مضيفًا إلى أن غالبية بنود المشروع تتركز على قطاع التربية والتعليم، مع ضعف واضح في معالجة التعليم العالي، ما يعكس _بحسب وصفه_ استنساخًا لتشريعات سابقة دون تطوير حقيقي.
وحول إلغاء المجالس التخطيطية، انتقد الحبيس إلغاء مجلسي التربية والتعليم العالي، اللذين كانا يشكلان الإطار التخطيطي للقطاع، إضافة إلى حذف عدد من الأهداف والوظائف الأساسية المرتبطة بهما، موضحًا أن التشكيلات السابقة كانت تعتمد على خبرات تربوية وأكاديمية متخصصة، بينما يغلب على التشكيل الجديد الطابع الحكومي المركزي ما يعزز مركزية القرار ويحد من دور التخصص.
وعلى ضوء ذلك طالب الحبيس بإيجاد أطر تشريعية موازية، مثل مجلس للتربية وآخر للتعليم العالي؛ لضمان التوازن في صنع القرار.
وعن سؤال "جفرا نيوز" حول ارتباط المشروع فعليًا بتنمية الموارد البشرية؛ لفت الحبيس إلى أن بنود القانون لم ينعكس عليها وجود علاقة حقيقية بين المشروع ومفهوم "تنمية الموارد البشرية”، مبينًا أن هناك مؤسسات قائمة تعنى بهذا الملف مثل ( هيئة الخدمة والإدارة العامة ) و ( المركز الوطني للموارد البشرية )، مشيرًا الى انه كان من الأجدر تطويرها بدلاً من إدراج المفهوم دون تطبيق فعلي.
وفي الحديث عن إثر القانون الاقتصادي والتنموي؛ أكد أن المشروع يفتقر إلى أي توجهات واضحة تربط مخرجات التعليم بالتنمية الاقتصادية أو الاجتماعية، مشيرًا إلى غياب مفاهيم التنمية الشاملة ورأس المال البشري كونه يقتصر على الجانب التربوي فقط دون وجود معالجة حقيقية لملفات مثل التعليم المهني أو ربطه بسوق العمل.
وأشار إلى وجود تناقض في القانون الذي يتضمن توحيد المرجعيات، بينما ستبقى جهات مستقلة قائمة؛ مثل المركز الوطني للمناهج، ما يضعف من هذا الهدف، لافتًا إلى وجود تداخل في التعريفات والصلاحيات، خاصة فيما يتعلق بالمناهج والامتحانات.
وحسب توقعات الحبيس أن القانون لن يشكل نقلة نوعية في قطاع التعليم، في ظل اعتماده على نصوص مستنسخة وضعف واضح في معالجة التعليم العالي، معبرا عن رفضه لإلغاء وزارة التعليم العالي باعتبارها ”المؤسسة الريادية” التي حققت إنجازات مهمة، متسائلاً عن أسباب عدم إشراك العاملين فيها بشكل كاف في مناقشة المشروع.
ودعا الدكتور الحبيس إلى الاستعانة بالكفاءات الأردنية لوضع الأنظمة والتعليمات التنفيذية، بما يسهم في معالجة الثغرات وتفادي الانتقادات، منوهًا الى ضرورة تشكيل فرق متخصصة بشكل عاجل، خصوصًا لما كان هنالك من اجماع على رفض صيغة القانون قبل إقراره أمس من قبل مجلس النواب.
وعن آلية إقرار المشروع انتقد طريقة تعامل لجنة التربية النيابية مع الملاحظات المقدمة، رغم استماعها لعدد كبير من الخبراء، مشيراً إلى أنه لم يتم تبني هذه الملاحظات أو توضيح أسباب تجاهلها.
وفي نهاية حديثه أعرب الدكتور الحبيس عن خشيته من العودة لإجراء تعديلات على القانون خلال فترة قصيرة، مطالبًا أصحاب القرار الأخذ بالملاحظات التي قدمها بشكل مفصل، والمتضمنة الإيجابيات والسلبيات ومقترحات المعالجة.
اليوم يضع مشروع دمج التعليم في الأردن المنظومة التعليمية أمام مرحلة مفصلية، بين طموح الإصلاح ومخاوف المركزية، وبين وعود التكامل وواقع التحديات البنيوية.
وفي ظل غياب مؤشرات لنظام إعادة هيكلة واضح للتنفيذ، يبقى نجاح هذا التحول مرهونًا بقدرة صانع القرار على تحويل النصوص إلى سياسات قابلة للتطبيق، توازن بين الكفاءة والاستقلال، وبين الاقتصاد وجودة التعليم.