جفرا نيوز -
الدكتور نضال محمود المجالي
ليس صدفة أن تختار وزارة الثقافة لواء القصر في الكرك ليكون لواءها لهذا العام الذي يحمل لقب لواء الثقافة حتى وان كان برنامجا تناله كل ألوية المملكة؛ فالثقافة، بخلاف غيرها، ترى ما لا يُرى، وتُنصت لما أهملته الضوضاء. هنا، في هذا الامتداد الجنوبي العميق، لا نقف أمام مكان عابر، بل أمام طبقات من الحكايات التي لم تنقطع، حتى حين انقطعت عنها بعض العيون الرسمية، أو تأخرت في الوصول إليها، مقارنة بما نقرأه يوميا لزيارات ومشاريع هنا وهناك وكأن لواء القصر من كوكب خارج حدود الوطن.
لواء القصر ليس مجرد تجمع قرى، بل أرشيف حيّ لتاريخ متنوع ومتماسك في آن واحد. قرى تحمل أسماءها كما تحمل ذاكرتها، لكل واحدة نبرتها ومكانتها الخاصة، لكنها تلتقي جميعا في روح واحدة. في هذا اللواء، لم يكن التنوع الثقافي والاجتماعي والديني عنوانا للاختلاف، بل أساسا للتماسك؛ حيث عاش أبناءه من مختلف عشائره في نسيج اجتماعي فريد، لا تُقاس متانته بالشعارات، بل بتفاصيل الحياة اليومية. حتى أن كبار السن ما زالوا يروون قصصا لا تتسعها مجلدات السردية، وعن دم اختلط قبل أن تُكتب كل هذه التعريفات الحديثة، وكأن القصر كان يكتب مبكرا درسا أردنيا في الهوية الجامعة والمنعة الصامدة والكبار من ابناء الوطن نساء ورجال.
ومن هذا التكوين خرجت شخصياتٌ لم تكن عابرة في تاريخ الدولة، بل ساهمت في تشكيله. قادة ثورة على ظلم زمن مضى ورؤساء وزراء في عهد بناء دولة ووزراء ورجال قادة اجهزة حملوا راية الوطن بصدق ورجولة يشهد لهم الجميع وكتاب وشعراء حملوا الوجدان الجمعي، كلهم حملوا القيم قبل المناصب، فكانوا امتدادا طبيعيا لمكان علّم أبناءه أن الكرامة موقف، وأن الانتماء مسؤولية. لكن، ورغم هذا الثقل، بدا اللواء في مراحل كثيرة وكأنه خارج بؤرة الاهتمام؛ غابت عنه عين الحكومة كثيرا، أو حضرت بخجل، وربما وقفت مترددة أمام قامات تاريخية يصعب مجاراتها، أو اكتفت بمشاريع لم تلامس عمق الإنسان فيه.
ولعلّ الأكثر إيلاما لم يكن الغياب الرسمي وحده، بل غياب بعض أبنائه ممن صعدوا في مواقع المسؤولية، فاختاروا الابتعاد، وكأنهم يخشون ثقل الانتماء، أو ينسون أن جذورهم هنا، في هذه القرى التي صنعت أسماءهم قبل أن تصنعها المناصب. فبقيت الفجوة قائمة بين تاريخ غني، وواقع ينتظر من يقرأه كما يجب.
ومع ذلك، لم ينكسر اللواء. فالتطور الذي طال الحجر والعمران لم ينجح في اقتلاع الذاكرة، بل بقيت البيوت الجديدة شاهدة على القديمة، وبقيت المجالس عامرة، وبقيت الحكايات تُروى كأنها تُقاوم النسيان. هنا، لا يُبنى الحاضر على أنقاض الماضي، بل على امتداده.
لذلك، فإن الشكر اليوم لا يُقال على سبيل المجاملة، بل على سبيل الإنصاف؛ لشباب ورجال اللواء الذين استمروا ما امكن في حفظ ذاكرة المكان والزمان والشكر للثقافة التي سبقت غيرها، ورأت في لواء القصر ما يستحق أن يُحتفى به. لقد أعادت تسليط الضوء على مكان لم يطلب الاعتراف، لكنه يستحقه. وربما يكون هذا الاختيار بداية لإعادة توجيه البوصلة؛ نحو فهم أعمق للتنمية، لا يقوم على الإسمنت وحده، بل على الإنسان، وعلى ذاكرته، وعلى قصصه التي تُبقي الوطن حيّا.
لواء القصر اليوم لا يحتاج فقط إلى مشاريع، بل إلى من يفهمه. إلى عين ترى كما ترى الثقافة، لا كما اعتادت البيروقراطية أن ترى. لأنه، ببساطة لا يختصر كخريطة بل يقرأ كسردية وطن.