النسخة الكاملة

الاستراتيجية الاردنية ما بين هيمنة الشرق الاوسط الكبير وسيولة الجديد

الخميس-2026-03-26 12:18 am
جفرا نيوز -
البرفسور عبدالله سرور الزعبي
مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية
لم يعد الشرق الأوسط مجرد مساحة جغرافية مضطربة، بل تحوّل إلى ساحة يُعاد فيها تعريف العالم نفسه. ما يجري ليس صراعًا على النفوذ فحسب، بل عملية إعادة تشكيل عميقة لخرائط القوة، تتقاطع فيها الرؤى من واشنطن إلى بكين، ومن موسكو إلى تل أبيب، مرورًا بعواصم أوروبا وبعض دول المنطقة.
فبين مشروع "الشرق الأوسط الكبير" الذي سعى إلى إعادة هندسة المنطقة من أعلى، وواقع "الشرق الأوسط الجديد" الذي يتشكل من تفاعلات الداخل وصراعات الخارج، تتبلور لحظة تاريخية، تتداخل فيها الفلسفة بالاستراتيجية، والتاريخ بالجغرافيا، والقوة بالشرعية. هنا تقف الحرب الأمريكية الإسرائيلية والإيرانية، لا بوصفها مواجهة تقليدية، بل كأداة لإعادة توزيع القوة وإعادة تعريف الإقليم ذاته.
وفي قلب هذا التحول، يقف الأردن على تخوم المشروعين الشرق الأوسط الكبير بوصفه رؤية لإعادة هندسة المنطقة وفق معايير القوة الغربية، والجديد كمفهوم أكثر سيولة، يتشكل عبر توازنات القوة الصاعدة وتفاعلات الإقليم ذاته.
لفهم هذا التحول، لا بد من العودة إلى اتفاقية سايكس بيكو، حيث لم يكن الشرق الأوسط نتاج توازن داخلي بقدر ما كان انعكاسًا لإرادات خارجية. تشكلت الدول، لكن لم يتشكل نظام الاستقرار فيه. ومنذ ذلك الوقت، والإقليم يعيش حالة "إدارة فوقية"، تتغير أدواتها من الانتداب إلى التحالفات، وصولًا إلى مشاريع إعادة التشكيل الكبرى.
منذ عقود، ظهر مفهوم "الشرق الأوسط الكبير" بوصفه تصورًا استراتيجيًا نشأ في مراكز القرار الامريكي، لا كتعريف جغرافي، بل كمشروع لإعادة هندسة المنطقة سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، لاعادة تشكيل النظم السياسية، والمجتمعات وفق نموذج يُفترض أنه يحقق الاستقرار عبر إعادة البناء من الأعلى، وتفكيك مراكز القوة التقليدية، وإعادة بناءها، ودمج الإقليم من خلال مفاهيم مثل الإصلاح والديمقراطية. لكنها في جوهرها ترتبط بإعادة توزيع القوة بما يخدم توازنات دولية محددة.
لكن هذه الرؤية اصطدمت بحدودها؛ فالمجتمعات ليست خرائط، والهوية ليست متغيرًا يمكن إعادة برمجته. وهنا تبرز إشكالية عميقة أشار إليها ميشيل فوكو، السلطة ليست مركزًا واحدًا يمكن التحكم به، بل شبكة معقدة تتغلغل في المجتمعات، ما يجعل فرض النماذج الخارجية محفوفًا بالانفجار.
وعلى النقيض، لا يأتي "الشرق الأوسط الجديد" كمشروع مكتمل، بل كحالة سيولة جيوسياسية تتشكل من تداخل قوى متعددة، صعود الصين (المطلوب كبح هذا الصعود)، وعودة روسيا إلى قلب المعادلة (المطلوب تحيدها)، وتنامي أدوار القوى الإقليمية (المطلوب تقليم اظافرها). إنه شرق أوسط بلا مركز واضح، تتحرك فيه التحالفات بسرعة، وتُعاد فيه صياغة مفاهيم السيادة والنفوذ، بعيدًا عن النماذج الكلاسيكية للهيمنة.
هنا، لم يعد السؤال، من يسيطر عسكريًا؟ بل، من يعيد تعريف شبكات النفوذ، اقتصاديًا وتكنولوجيًا وطاقة. وهو ما يتقاطع مع مفهوم "الحداثة السائلة" لدى باومان (الحدود بين القوة والفوضى ضبابية).
لا تزال امريكا تنظر إلى الشرق الأوسط بوصفه ركيزة للأمن العالمي، لكن أدواتها تغيّرت. ضمن هذا التحول، تظل مدرسة هنري كيسنجر حاضرة بقوة، منطقة لا يمكن إصلاحها، بل عقدة يجب إدارتها. الاستقرار، في نظره، لا يتحقق بإزالة الصراعات، بل بتنظيمها ضمن توازنات تمنع الانفجار.
هذا المنطق تطور في أطروحات كونداليزا رايس الى "الفوضى الخلاقة"، حيث تصبح الفوضى أداة لإعادة بناء النظام. وبين "ضبط الفوضى وإنتاجها"، يتشكل منطق واحد، إعادة ترتيب الإقليم عبر كسر بنيته القديمة.
الاتحاد الأوروبي، ينظر إلى المنطقة من زاوية الاستقرار، الطاقة، والهجرة، ومكافحة التطرف. أوروبا تسعى إلى الحفاظ على حد أدنى من التوازن يمنع الانفجار في المنطقة.
تتعامل الصين مع المنطقة كعقدة اقتصادية مركزية، لا كساحة صراع أيديولوجي. بينما ترى روسيا فيها فرصة لإعادة تثبيت نفسها كقوة لا يمكن تجاهلها.
بالنسبة لإسرائيل، فإن الشرق الأوسط الجديد، يعني بيئة تُدمج فيها اقتصاديًا وأمنيًا، مع الحفاظ على تفوقها العسكري. وابقاء القضية الفلسطينية في حالة "إدارة دون حل".
دول المنطقة ليست كتلة واحدة. بعضها يسعى للاندماج عبر الاقتصاد والتكنولوجيا، وبعضها يقاوم مشاريع التفكيك، بينما يحاول آخرون التوازن بين القوى الكبرى. النتيجة، إقليم بلا مركز ثابت، تتحرك فيه التحالفات بسرعة غير مسبوقة.
غير أن هذه الرؤى، على اختلافها، تصطدم بحقيقة أعمق سبق ان أشار إليها فوكو "السلطة ليست مركزًا واحدًا يمكن التحكم به، بل شبكة معقدة تتغلغل في المجتمعات". لذلك، فإن كل محاولة لإعادة هندسة المنطقة من الخارج تحمل في داخلها بذور فوضى جديدة، وهو ما يفسر تحوّل الإقليم إلى حالة "السيولة" بالمعنى الذي طرحه باومان.
في هذا الإطار، لا يمكن فهم الحرب بين امريكا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، كصراع تقليدي. إنها صراع على تعريف قواعد اللعبة وحدود القوة، ومن يملك الردع؟ ومن يحدد سقف التصعيد ويرسم حدود الحرب والسلام؟ وحدود المقبول والممنوع في مضيق الخليج العربي (هرمز).
ولذلك، فالحرب مرشحة لأن تنتهي بلا حسم شامل، بل بتوازن ردع دائم، أو تسويات غير مباشرة، أو انفجارات محدودة تعيد ضبط المعادلة. الهدف، تثبيت توازن جديد، وهو جوهر التفكير الكيسنجري "الاستقرار ليس سلامًا، بل توازن خوف". هنا تتحول الحرب من "صراع إلى لغة نظام دولي"، تُستخدم لإعادة توزيع الأدوار، لا لإنهائها.
وفي هذا السياق، فإن ما يجري يمكن قراءته، كمخاض جيوسياسي عسير، سيُفضي إلى ولادة شرق أوسط مختلف، لكنه لن يكون مكتمل التكوين. إنه كيان إقليم بشكل جديد، هش في بنيته، أقرب إلى مولود خداجي، يحتاج إلى رعاية طويلة ومعقدة، قد تمتد لسنوات قبل أن يبلغ حدًّا معقولًا من النضج والاستقرار. وهو ما يعني أن المنطقة لن تدخل مرحلة ما بعد الحرب، بل مرحلة ما بعد الولادة غير المكتملة، حيث تستمر الهشاشة، وتبقى احتمالات الانتكاس وإعادة التشكل قائمة.
في سياق هذا الصراع، لا يمكن تجاهل الاعتداءات الإيرانية المباشرة التي طالت أراضي الأردن ودول عربية أخرى دون مبرر. هذه ليست حوادث معزولة، بل تعبير عن استراتيجية ايديولوجية تسعى إلى فرض وقائع جديدة، وليست كما يدعي البعض بانها ليست موجهه ضد الاردن، بل هو استهداف مباشر ومحدد لاراضي المملكة.
خطورة الاعتداءات، لا تكمن فقط في الفعل ذاته، بل في تداعياته، فاستهداف الأردن المعروف باستقراره اصلاً، لا يهدد أمنه فحسب، بل يضرب فكرة الاستقرار الإقليمي نفسها، ويصبح الجميع معرضًا للاستهداف، وتتحول المنطقة إلى فضاء مفتوح على احتمالات التصعيد غير المحسوب.
لكن الأخطر من التهديد الخارجي، ما يتسلل إلى الداخل. فالدول لا تُخترق فقط بالصواريخ، بل بالمشككين من الداخل ايضاً، ولا تُستنزف فقط بالحروب، بل بتآكل ثقتها بذاتها.
في هذه اللحظة، يصبح التماسك الداخلي ضرورة وجودية، ويغدو الوعي الجمعي خط الدفاع الأول، ولا يقل أهمية عن أي منظومة أمنية أو تحالف سياسي.
وهنا تكمن خطورة الأصوات التي تبرر الاعتداءات أو تعيد تفسيرها بشكل مضلل، تحت غطاء أيديولوجي أو نتيجة قراءة مجتزاه للمشهد. فهذه المواقف، حتى وإن بدت فردية أو عفوية، ومهما كانت دوافعها، تؤثر على متانة الجبهة الداخلية، وتخلق شرخًا في الوعي الوطني في مواجهة التحديات. الأخطر أنها تعيد تعريف العدو والصديق بشكل مضلل، وتُربك البوصلة الوطنية لدى بعض العامة، فتتحول القضية من دفاع عن الدولة إلى جدل داخلي يستنزف طاقتها.
التماسك الداخلي ليس شعارًا عاطفيًا، بل هو بنية صلبة تقوم على وعي سياسي ناضج، وثقة بالقيادة والدولة، وإدراك عميق بأن الخلاف في الرأي يجب أن لا يتحول إلى اصطفاف ضد المصلحة الوطنية. فالدولة التي تفقد تماسك مجتمعها في لحظة الخطر، تواجه تهديدًا مضاعفًا، من الخارج الذي يضغط، ومن الداخل الذي يتصدع. وهنا يمكن استحضار رؤية هنتنغتون "الصراعات المستقبلية ليست فقط بين دول، بل داخل المجتمعات نفسها". ما يعني أن صلابة الداخل شرط للقوة في الخارج. وهنا السؤال الحقيقي، هل نملك من الوعي ما يكفي لنختلف دون أن ننقسم، ولننتقد دون أن نُضعف، ولنواجه الخارج دون أن نفتح له أبواب الداخل؟
في خضم هذه التحولات، تبقى القضية الفلسطينية العقدة المركزية. كل مشاريع الشرق الأوسط تحاول تجاوزها أو تهميشها، لكنها تعود دائمًا كعامل تفجير، يعيد إنتاج الصراع في أشكال أكثر تعقيدًا، ما يجعلها معيارًا حقيقيًا لنجاح أو فشل أي "شرق أوسط كبير او جديد".
وهنا، يبرز سؤال جوهري، أين يقف الأردن؟ وأين تكمن مصلحته؟
الإجابة لا تكمن في الجغرافيا فقط، بل في طبيعة الدور. فالأردن ليس دولة موارد، بل دولة توازن وموقع، حيث تتقاطع المشاريع لا على هامشها. وهنا تتجلى معادلة عميقة أشار إليها ابن خلدون "بقاء الدول يقوم على التوازن بين الشرعية والقدرة".
فإذا كان الشرق الأوسط الكبير، يفرض استقرارًا على حساب السيادة، فالجديد يمنح هامشًا أوسع لكنه محفوف بالمخاطر. ويصبح الخيار الحقيقي في استثمار التناقض بينهما، والاستفادة من بنى الاستقرار حين تتاح، ومن مرونة التعدد حين تتشكل.
غير أن ذلك يتطلب استراتيجية مركبة، تقوم على تنويع التحالفات، وتعزيز الاستقلال الاقتصادي، والاستثمار في الموقع الجيوسياسي، والأهم، الحفاظ على التماسك الداخلي كخط الدفاع الأول. وهو ما يتقاطع مع رؤية هنتنغتون "بأن خطوط الصدع الحقيقية تمر داخل المجتمعات بقدر ما تمر بين الدول".
في النهاية، لا يبدو أن الشرق الأوسط يتجه نحو نظام مستقر قريباً، بقدر ما يمر بحالة ولادة عسيرة. ما بعد هذه الحروب، لن يكون سلامًا بالمعنى التقليدي، بل مرحلة انتقالية طويلة لكيان إقليمي جديد، هشّ في توازناته، ومتقلب في تحالفاته، ويحتاج سنوات من الرعاية الجيوسياسية المركّزة، قبل أن يبلغ حدًّا من النضج والاستقرار.
هذا الشرق الأوسط القادم لن تحكمه قواعد ثابتة، بل توازنات مؤقتة، ولن تُدار صراعاته بالحسم، بل بالاحتواء وإعادة الضبط. وهنا تحديدًا، تتحول المخاطر إلى اختبار وجودي للدول، إما أن تتكيف مع سيولة الإقليم، أو تُستنزف داخلها.
بالنسبة للأردن، لا تكمن التحديات في العاصفة نفسها، بل في طبيعة المرحلة التي تليها. فالتعامل مع إقليم غير مكتمل، يتطلب وعي متكامل في الجبهة الداخلية، والتماسك رغم اختلاف الرأي، ومرونة في الادوات الخارجية. وهنا تبرز أهمية النهج الذي يقوده الملك، القائم على الحكمة، والتوازن، والعقلانية، والانخراط المحسوب، لا كخيار تكتيكي، بل كضرورة استراتيجية في بيئة لا ترحم الارتباك. هذه المقاربة لا تعني تجنب المخاطر، بل إدارتها، وتحويل الموقع الجيوسياسي من عبء إلى أداة. وعند اسقاط هذه الفلسفة الاردنية، نجدها تنسجم مع رؤية ابن خلدون، ولكن بالمفهوم الحديث "قوة الاردن تقوم على التوازن بين الشرعية الدينية والتاريخية التي يمتلكها الملك وحدود القوة الاردنية".
في عالم يتشكل على وقع الحروب لا نهاياتها، لم يعد البقاء للأقوى عسكريًا واقتصدياً فقط، بل للأكثر قدرة على قراءة التحولات، وامتلاك أدوات التكيف معها. ومن هذه الزاوية، لا يقف الأردن على هامش التحول، بل في قلبه، ولا كمتلقٍ للنتائج، بل كفاعل يسعى ضمن هوامش دقيقة للمساهمة في صياغة ملامح الشرق الأوسط الذي لم يولد كاملًا بعد.
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير