جفرا نيوز -
صهيب مقدادي
حين يُذكر الجيش، لا نتحدث عن أفرادٍ يرتدون البزّات العسكرية؛ نحن نستحضر ملامح الرجولة المكتملة، نستدعي صلابةً لا تُكسر، ونستعيد مبدأً واضحًا:
من لا يحمي وطنه لا يستحق أن ينتمي إليه.
هم أولئك الذين لم يطلبوا المجد، لكنه انحنى أمامهم.
لم يسعوا للضوء، لكنهم صاروا منارات.
لم يكتبوا خطبًا، بل كتبوا التاريخ بمواقفهم، بوقوفهم، بصبرهم، وبتلك اللحظات التي تقدّموا فيها حين تراجع الجميع.
هم الذين لا يسألون:
"لماذا أنا؟" بل يقولون: "إن لم أكن أنا، فمن؟"
منذ فجر التاريخ، كان في كل أمّة نخبة تصمت حين يعلو الضجيج، وتنهض حين تنهار الصفوف، وتقاتل لا من أجل الحرب، بل من أجل ما يستحق الحياة.
جيشنا ليس مؤسسة، بل خريطة أخلاق، ومرآة لمعدننا حين يُختبر.
حين ترى الجندي واقفًا في وجه العاصفة، لا تسأله ماذا يشعر.
فقط تأمل وقفته.
في صمته رسالة، في ملامحه وعدٌ بعدم الخذلان، وفي هيبته الجواب الذي لا يُقال.
"ليس من العدل أن تُرفع الأصوات في الغرف الوثيرة، بينما يُحرس الوطن بصمتٍ في العراء.
لا تُقاس البطولة بما يُقال على الشاشات، بل بما يُصنع على التراب، تحت وطأة الخطر، وفي حضرة الموت."
هم من يعرّفون الرجولة من جديد.
لا بصرخاتٍ فارغة، بل بثباتٍ لا يحتاج إلى تعليق.
هم الفلسفة العملية للكرامة.
لا يتحدثون عن الوطن...
بل يحمونه.
سقف الوطن لا يُبنى بالكلمات.
يُبنى بالعرق، بالدم، بالركب المثقوبة من طول السجود، بالأيادي التي تزرع وتحرس، بالأعين التي لا تنام.
الجيش هو المكان الذي تموت فيه الأنانية.
لا خصوصيات، لا رفاهية، لا ترف في الوقت أو الشعور.
هناك، كل شيء يُقدَّم فداءً لوطنٍ لا يفاوض على كرامته.
جرب أن تضع قدمك في ميدانهم ليوم واحد فقط، وستفهم لماذا لا يجادلون كثيرًا.
لأن من رأى الموت واقفًا أمامه، لم يعد يعجبه لغو الباقين.
كل طلقة يطلقونها لها ثمن.
كل ليلٍ يسهرونه له سبب.
كل قطرة عرق تنزل منهم لا تذهب هدرًا.
لأنهم لا يُجاملون، ولا يتصنّعون، ولا يتقمصون البطولة؛ هم هم...
وأفعالهم تسبقهم.
فيهم نرى السيادة مجرّدة من الترف.
نراها في الجوع المحتمل، في التعب الصامت، في الظهر المنتصب رغم ثقل المهمة، في اليد التي تحمل السلاح دون تردد، وفي القلب الذي لا يرتجف مهما كان الخطر قريبًا.
هم الوجه النقيّ لما تبقّى من هذه الأمة.
لا يتاجرون بالشعارات، بل يُثبتون أن الفداء خيار، وأن الشجاعة موقف، وأن من يحب وطنه لا يحتاج لمن يذكّره بذلك.
هم الذين كتبوا بالحديد لغةً جديدة:
الوطن لا يُخان.
الوطن لا يُساوم.
الوطن لا يُباع.
ولأنهم فهموا هذا، عاشوا كبارًا، وماتوا أعظم.
هم الجيش...
الصامتون الذين قالوا كل شيء.
ولأنهم اختاروا درب الصمت والعمل، لا تزال أسماؤهم محفورة في ضمير الأمة، لا تحتاج إلى تماثيل، بل إلى ذاكرة لا تخون.
إن سألك أحد:
أين نجد العزّة؟
فقل: في عيون الجند الساهرة، في الأقدام التي لا تتراجع، في الأكف التي لا تهتز.
وإذا سألك: من يُبقي هذا الوطن واقفًا؟
فاشرُف باسمهم، وقل بثبات:
هؤلاء الذين صمتوا عن الكلام...
لأنهم نطقوا بالفعل.