النسخة الكاملة

دليل "الأغبياء" لفهم "الأشقياء"!

الأربعاء-2026-03-11 10:20 am
جفرا نيوز -
بشار جرار


أذكر بابتهاج وامتنان نشاطات مدرستي اللامنهجية وأهمها السياحة الوطنية (الداخلية)، العمل التطوعي (داخل كلية تراسنطة وخارج أسوارها في "جبل الياسمين" اللويبدة)، والزيارات المكتبية والمراكز الثقافية ذات الصلة بالمواد التعليمية والثقافية التي لا تنحصر بتعلم اللغة الإنجليزية أو الفرنسية.

سقا الله أيام مكتبة أمانة العاصمة وقد كانت في أكناف الساحة الهاشمية المجاورة للمسرح الروماني (يسميه البعض خطأ مدرجا)، والتي لا زال أريجها حاضرا كما البخور العتيق في الوجدان. يمر العمر وقد مضى منه الكثير من الأسفار ولم يضاهِ عطرها سوى ذلك العابق في مكتبتنا النفيسة الأثيرة، في أم الجامعات الأردنية، الرابضة على روابي الجبيهة التي تبهج القلب، وسط زيتونها المعمّر المبارك، وصنوبرها الحاني الباسق، في آن واحد.

من تلك المكتبتين، ومركزين آخرين هما المركز الثقافي البريطاني والمركز الثقافي الأمريكي، تعرفنا في عالم ما قبل الإنترنت والبث المباشر والتغطية المتواصلة، تعرفنا على قيمة الكتاب والدوريات المختصة بلغتنا الأم، ولغات العالم الرئيسية، وفي طليعتها الإنجليزية.

ثمة كتب لا تنسى ومنها ما يتخذ شكلا موسوعيا أو تخصصيا إلى حد ليزريّ، كناية عن الدقة في الاستهداف والتوظيف المعرفي.

من تلك المجموعات المميزة، سلسلة "خذ الأمر بيديك" أو اصنع أو أصلح الأشياء بنفسك "دُوِتْ يورْ سِلف". الرسالة الراسخة كانت تبني ثقافة الاعتماد على الذات، وقد بدأت عام 1912. وتعرف هذه السلسلة اختصارا بكتب "دي آي واي" وقد صارت متاحة ببضع نقرات على الشبكة العنكبوتية و قناة اليوتيوب، ليتعلم الإنسان بنفسه كيفية إصلاح عطب لا يستدعي طلب العون من فني متخصص. لكن التجربة ما زالت تؤكد "أعط خبزك للخباز ولو أكل نصه". "العين لا تعلو عن الحاجب" و"فوق كل ذي علم عليم".

لكن الأمريكيين تفوقوا بفضل شيوع الإنترنت في نشر المعرفة المبسطة على نحو غير مسبوق، فتقدموا بالذهاب خطوة أبعد في التأليف عن البريطانيين والأوروبيين عموما، عندما ظهرت بعد تلك المجموعة، سلسلة أمريكية عام 1987 لكتب عنوانها "دليل الأغبياء" عن هذا التخصص أو ذلك الاختصاص. هو كتاب مستفز في عناونه حيث يسمي القارئ المشتري سلفا بالأحمق! من أسرار نجاح تلك المجموعة الخاصة بالحمقى "داميز" تميزها بالسهل الميسر والعملي لا السهل الممتنع! تلمح بمجرد تصفح تلك الكتب والتي يرافقها رسمي كاريكاتوري وليس بياني أو رقمي منفّر، تلمح على صفحاته السهولة والسلاسة رغم سرد تفاصيل التفاصيل، والتبسيط إلى أبعد حدود. من بين العنوانين اللافتة مثلا، "دليل الحمقى لاحتساب الضرائب". ففي بلاد العم سام، ثمة مقولة تفيد بأنه أمران لا مفر منهما وهما "الضرائب والموت"! حتى القبور والدفن والميراث له حساباته الضرائبية المعقدة التي تحتاج بالفعل إلى خبير وليس مجرد قراءة كتاب يحول غير المتخصص أو "الأحمق" إلى محاسب مالي قادر على إجراء حساباته الضريبية بنفسه، وبالنيابة عن أسرته. أمام المدعين العامين لدائرة الضرائب، لا حصانة للجاهلين ولا للمغفلين ولا عذر للحمقى. فمن حيث لا يحتسب يواجه "المتفذلك أو المتهرب الضريبي"، توضيب قضية "لا تخرّ الميّ"، فيسجن "المحتال" على أثرها، أو يخسر أملاكه، أو يواجه مصير الترحيل في حال كشف التحايل الضريبي ما هو أخطر كالتزوير والاحتيال فيما يتصل باستصدار وثائق الإقامة الدائمة أو التجنيس (المواطنة).

من الآخر، توحي بعد السجالات العرمرمية والتصريحات العنترية لبعض المتفاعلين مع الأحداث الملتبسة حتى وإن كانت ملتهبة كالحرب الدائرة رحاها الآن، توحي بالحاجة إلى مراجعة بعض المفاهيم والسلوكيات والمواقف. قد يكون من المفيد، وربما مما لا غنى عنه، الرجوع إلى ذوي الاختصاص وأولي الأمر فقط، في كيفية التعامل مثلا مع ظواهر التنمر أو البلطجة، سواء أكانت على شكل أفراد أو تنظيمات أو نظم. الإرجاء أو الاحتواء أو النأي بالنفس لا يجدي نفعا. فالتنمر والبلطجة اللفظية والابتزاز العاطفي السياسي أو الاقتصادي معضلات آن الأوان إلى التصدي لها بعيدا عن مغالطات التسكين والتمكين. الحل الأمثل هو الفطام، القطع وسدد الأبواب والنوافذ على من ارتضوا لأنفسهم دائما مهادنة وأحيانا مداهنة من لا يريدون بنا خيرا.
صحيح أن كتب "خذ الأمر بيديك" أو "دليل الأغبياء في التعامل مع الأشقياء" -مثلا- قد يكون مسليا في الصالونات السياسية والسهرات الرمضانية وغرف الدردشات الإلكترونية، لكن الخطأ فيها قاتل، وإن كانت فيه نجاة، فكلفه باهظة قد تفضي إلى واقع كارثي. فمواجهة مروجي الخطاب المعادي والمشكك تتطلب الاختصاص وليست مجرد فزعة يؤاجر فيها البعض دفعا للحرج من أولئك الذين أدمنوا على التماس الأعذار لك مسيء تارة باسم العقيدة! وتارة أخرى باسم القضية!.

كما لا يجوز لغير الطبيب والصيدلاني الإفتاء في شؤون الصحة والتغذية، كذلك لا يجوز إبقاء الفضاء باسم "الرأي والرأي الآخر" الشعار الذي نحته الإعلامي الأردني الفذ الراحل جميل عازر رحمة الله عليه، "سداحا مداحا" أمام بعض الفئات، سيما تلك الطروحات الخنفشارية لمن هم في منزلة "شاهد ما شفش حاجة"، والتي ألهمت برنامجا مصريا شهيرا بعنوان: "أرجوك ما تفتيش"! وجمهوره المفضل دائما هو ذلك، "الحافظ مش فاهم"!!.

© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير