جفرا نيوز -
رومان حداد
تم اختيار مجتبى خامنئي مرشداً أعلى للجمهورية الإسلامية في إيران بعد تسعة أيام من اغتيال والده علي خامنئي، ويأتي هذا الاختيار في لحظة هي الأكثر حساسية في تاريخ النظام الإيراني منذ تأسيسه عام 1979.
قرار اختيار خامنئي الابن لم يكن مجرد انتقال للسلطة داخل هرم القيادة الدينية والسياسية، بل جاء في قلب حرب مفتوحة تخوضها إيران ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، ما يجعل هذا الاختيار جزءاً من معادلة الحرب نفسها، وليس مجرد خطوة دستورية داخلية، حيث وجد النظام الإيراني نفسه فجأة أمام فراغ قيادي خطير، وكان عليه أن يملأ هذا الفراغ بسرعة للحفاظ على تماسك الدولة وأجهزتها العسكرية والأمنية، خصوصاً الحرس الثوري الذي يمثل العمود الفقري للنظام.
عملية توريث منصب المرشد الأعلى تحمل دلالات متعددة. فمن جهة، يعكس رغبة واضحة لدى الدائرة الصلبة داخل النظام في الحفاظ على استمرارية خط علي خامنئي السياسي والعقائدي، وعدم فتح الباب أمام انتقال السلطة إلى شخصية قد تميل إلى البراغماتية أو التسوية مع الغرب، كما أنها تثبت محاولة الحرس الثوري لتأكيد سطوتهم وسيطرتهم على منظومة الحكم، رغم الهزائم الإقليمية التي تعرضت لها إيران، فمجتبى من الشخصيات الأكثر قرباً من الحرس الثوري، وقد ارتبط اسمه لسنوات بإدارة شبكات النفوذ داخل المؤسسة الأمنية والاقتصادية المرتبطة بالنظام، لذلك فإن تعيينه يمثل في الواقع استمراراً للتحالف الذي أنشأه والده بين المؤسسة الدينية ومراكز القوة العسكرية داخل الجمهورية الإيرانية.
هذا الاختيار لم يحدث في حالة من الاستراخاء السياسي أو العسكري أو الأمني إيرانياً أو إقليمياً، بل في سياق حرب مباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وهو ما يوجب قراءة ما يقوله الرئيس الأميركي دونالد ترامب بوضوح لتوقع شكل الصراع في المرحلة القادمة، حيث أعلن الرئيس ترامب عن أن أي مرشد جديد سيحتاج إلى موافقة من الولايات المتحدة وإلا لن يدوم طويلا، كما ألمح إلى أن استمرار القيادة الإيرانية الحالية في الحرب قد يجعلها هدفاً مباشراً للعمليات العسكرية، وهو موقف يعكس استراتيجية ضغط قصوى تهدف إلى كسر إرادة القيادة الإيرانية الجديدة قبل أن تتمكن من تثبيت سلطتها داخلياً.
في ظل هذا المشهد المعقد، لا يبدو أن مجتبى خامنئي يملك خيارات استراتيجية واسعة في إدارة الحرب، حيث تنحصر خياراته بين التصعيد الشامل أو التصعيد المضبوط، حيث قد يقوم، في حال تبني الخيار الأول، بتوسيع المواجهة عبر استهداف المصالح الأميركية والإسرائيلية في المنطقة، سواء بشكل مباشر أو عبر الحلفاء الإقليميين، وقد يذهب إلى هذا الخيار إذا اعتقد أنه قد يمنحه شرعية ثورية داخلية، لكن هذا الخيار يحمل مخاطر كبيرة لأنه قد يؤدي إلى مواجهة عسكرية لا تستطيع إيران تحمل كلفتها على المدى الطويل.
أما إذا اختار الخيار الثاني فهذا يعني استمرار إيران بالرد العسكري ولكن ضمن حدود تمنع الانزلاق إلى عملية أميركية لتغيير النظام الإيراني، وهو ما يعني تبني الرد العسكري مع إبقاء باب التفاوض مفتوحاً بصورة غير مباشرة.
ولكن لا يبدو خامنئي الابن قادراً على اتخاذ قرار تجميد الصراع وشراء الوقت، من خلال تخفيف حدة المواجهة والسعي إلى إعادة ترتيب الوضع الداخلي، أو خيار القبول بتسوية قسرية أو استسلام سياسي أمام الضغوط الأميركية والإسرائيلية، فهذان الخياران يصعب تبنيهما من قبل خامنئي الابن في ظل بنيته الأيديولوجية واصطفافاته السياسية الداخلية.
ستكون المرحلة القصيرة القادمة مرحلة اختبار صعبة للخامنئي الابن، فرغم الشرعية المزعومة التي يتمتع بها مجتبى خامنئي، إلا أنه يحتاج في هذه المرحلة إلى إثبات الصلابة أمام الحرس الثوري والرأي العام المؤيد للنظام، ولكن عليه في الوقت نفسه تجنب حرب قد تهدد بقاء النظام نفسه، لكن هذه المعادلة تبقى شديدة الهشاشة، خصوصاً في ظل استمرار الحديث عن إمكانية استهداف القيادة الإيرانية الجديدة.
فاحتمال تعرض مجتبى خامنئي لمحاولة اغتيال يبقى مرتفعاً في ظل طبيعة الحرب الحالية، ويرتفع هذا الاحتمال تدريجياً من اليوم حتى ما يقارب الشهر أو نهاية الحرب، ومن بعدها، إذا لم يتم اغتياله، تتراجع هذه الاحتمالية تدريجياً.
ولكن المفارقة السياسية الكبرى هي أن اختيار شخصية متشددة مثل مجتبى خامنئي قد يكون عاملاً يسرع في نهاية نظام ولاية الفقيه نفسه، فالتشدد في لحظة ضعف استراتيجي قد يقود إلى قرارات تصعيدية تقود بدورها إلى هزيمة عسكرية أو إلى استنزاف طويل يضعف الدولة الإيرانية من الداخل، وإذا حدث ذلك، فإن تعيين خامنئي الابن قد يتحول من محاولة لإنقاذ النظام إلى لحظة تاريخية تسرع من عملية تفككه.