جفرا نيوز -
نضال عبد الله البحري
في الدول التي تحترم مستقبلها، يُنظر إلى التعليم العالي بوصفه البنية التحتية الأعمق للدولة؛ فهو المصنع الحقيقي للنخب العلمية، ومصدر الابتكار، والعقل الذي يخطط لاقتصاد الغد. أما حين يفقد التعليم العالي صرامته ومعاييره، فإن الدولة نفسها تدخل مرحلة من التآكل المعرفي الصامت.
ما يجري اليوم في قطاع التعليم العالي في الأردن يطرح سؤالًا بالغ الحساسية: هل ما زالت بعض الجامعات مؤسسات لإنتاج المعرفة، أم أنها تحولت تدريجيًا إلى سوق واسع لتجارة الشهادات؟
المؤشرات لا تدعو إلى الاطمئنان. فالفجوة بين مخرجات الجامعات واحتياجات الاقتصاد الوطني تتسع عامًا بعد عام، بينما تستمر برامج أكاديمية في تخريج آلاف الطلبة في تخصصات لم يعد لها حضور حقيقي في سوق العمل. وهكذا يجد الخريجون أنفسهم أمام مفارقة قاسية: شهادات كثيرة، ومعرفة قليلة، وفرص محدودة.
الأزمة لا تقف عند حدود البكالوريوس. فالدراسات العليا، التي يفترض أن تكون قلب البحث العلمي ومحرك الابتكار، تحولت في حالات كثيرة إلى مسار موازٍ لتضخم الشهادات. الماجستير يتكاثر، والدكتوراه تتوسع، لكن أثر ذلك على البحث العلمي الوطني يكاد يكون محدودًا.
الأكثر إثارة للتساؤل هو التوسع اللافت في ترخيص برامج الدكتوراه، حتى في تخصصات دقيقة وحساسة في مجالات العلوم الطبية وغيرها من التخصصات في بعض من الجامعات الخاصة. هذه البرامج، التي تُطرح غالبًا برسوم مرتفعة، تُفتح في بيئات أكاديمية لا يتوفر فيها دائمًا الحد الأدنى من البنية البحثية التي يفترض أن تقوم عليها درجة علمية بهذا المستوى.
وهنا يبرز السؤال الذي يتجنب كثيرون طرحه صراحة: هل الهدف هو بناء منظومة بحث علمي وطنية قوية، أم خلق اقتصاد موازٍ للشهادات العليا؟
النتيجة الواقعية حتى الآن لا تشير إلى قفزة نوعية في الإنتاج العلمي الوطني، ولا إلى تحول حقيقي في قدرة الجامعات على الابتكار.
ما نشهده أقرب إلى تضخم في الألقاب الأكاديمية يقابله انكماش في القيمة المعرفية الفعلية لهذه الألقاب.
في قلب هذه المعادلة تقف هيئة اعتماد مؤسسات التعليم العالي وضبط الجودة، وهي المؤسسة التي يفترض أن تكون الحارس الصارم لمعايير التعليم. لكن الانطباع المتزايد لدى كثير من الأكاديميين والمراقبين هو أن الاعتماد، في بعض الحالات، أصبح إجراءً تنظيميًا أكثر منه آلية رقابية حقيقية. فالجودة، التي يجب أن تكون معيارًا صارمًا لا يقبل التنازل، تحولت أحيانًا إلى شعار مؤسسي يزين التقارير والخطابات.
إن التساهل في معايير الاعتماد ليس مجرد خلل إداري، بل خطر استراتيجي. فالدول لا تخسر مستقبلها فقط بالحروب أو الأزمات الاقتصادية، بل قد تخسره أيضًا حين تفقد جامعاتها قدرتها على إنتاج المعرفة.
وتزداد المشكلة تعقيدًا عندما تتداخل مع ضعف الحوكمة الأكاديمية داخل بعض الجامعات. فالإدارة الجامعية ليست منصبًا إداريًا عاديًا؛ إنها قيادة معرفية يفترض أن تتمتع بأعلى درجات النزاهة العلمية والرصانة الأكاديمية. لكن حين تحيط ببعض القيادات الأكاديمية تساؤلات حول النزاهة العلمية أو الكفاءة البحثية، فإن ذلك يضرب في الصميم مصداقية المنظومة الأكاديمية بأكملها.
فكيف يمكن لمن تحوم حولهم شبهات الاستلال العلمي أن يكونوا أوصياء على معايير الترقية الأكاديمية؟ وكيف يمكن لمن لم يرسخوا تقاليد البحث العلمي الصارم أن يقودوا مؤسسات يفترض أن تصنع المعرفة؟
إن القضية هنا ليست قضية جامعات بعينها، بل قضية دولة تبحث عن موقعها في اقتصاد المعرفة العالمي. فالتعليم العالي ليس قطاعًا خدميًا عاديًا، بل هو أحد أهم أدوات القوة الوطنية.
الأردن بحاجة إلى مراجعة شجاعة وجذرية لفلسفة التعليم العالي. مراجعة تعيد الاعتبار لفكرة الجامعة بوصفها مركزًا لإنتاج المعرفة، لا مصنعًا لإنتاج الشهادات.
فالجامعات التي تتوسع بلا ضوابط تفقد قيمتها، والدكتوراه التي تُمنح بلا بيئة بحثية تفقد معناها، والجودة التي تتحول إلى شعار تفقد قدرتها على حماية المستقبل.
وفي النهاية تبقى الحقيقة بسيطة لكنها قاسية: الدول لا تُقاس بعدد الشهادات التي تمنحها جامعاتها، بل بقدرتها على إنتاج عقول قادرة على التفكير والابتكار وصناعة المستقبل.
فإما أن يستعيد التعليم العالي في الأردن صرامته الأكاديمية، أو أن يتحول تدريجيًا إلى منظومة تحمل اسم "التعليم العالي”، بينما يتآكل في داخلها المعنى الحقيقي للعلم.