جفرا نيوز -
الدكتورة مارسيل جوينات
يأتي يوم المرأة العالمي في الثامن من مارس من كل عام بوصفه لحظة رمزية كثيفة الدلالات، تختزل مسار تاريخي طويل من الكفاح الاجتماعي والفكري الذي خاضته المرأة من أجل انتزاع موقعها الطبيعي داخل بنية المجتمع. غير أن هذا اليوم لا يمكن اختزاله في مجرد مناسبة احتفالية تستعاد فيها الشعارات التقليدية حول حقوق المرأة، بل هو في جوهره مساحة تأمل نقدي في التحولات العميقة التي طرأت على مفهوم الدور النسوي، وفي الكيفية التي انتقلت بها المرأة من موقع المطالبة بالحقوق إلى موقع الريادة في صياغة المستقبل الاجتماعي والاقتصادي والثقافي.
لقد ارتبطت البدايات الأولى للحركات النسوية بسياق تاريخي اتسم بخلل واضح في ميزان العدالة الاجتماعية، حيث كانت المرأة تعاني من أشكال متعددة من الإقصاء القانوني والثقافي،وذلك من حرمانها من المشاركة السياسية إلى تقييد حضورها في المجال العام. وفي ظل هذه الشروط التاريخية، نشأت حركات اجتماعية طالبت بإعادة تعريف العلاقة بين المرأة والمجتمع، وطرحت أسئلة جوهرية حول مفاهيم السلطة والتمثيل والعدالة. ولم يكن هذا النضال مجرد مواجهة مع بنى قانونية جامدة، بل كان أيضاً صراع فكري عميق مع أنماط ثقافية متجذرة رسخت صورة نمطية لدور المرأة وحدود حضورها في الحياة العامة.
ومع مرور الزمن، بدأت هذه الجهود تؤتي ثمارها بالتدريج ، إذ شهدت المجتمعات الحديثة تحولات ملموسة في موقع المرأة داخل البنية الاجتماعية. فقد اتسعت فرص التعليم أمام النساء، وارتفعت نسب مشاركتهن في سوق العمل، كما تمكنت المرأة من اقتحام مجالات كانت لفترة طويلة قد احتكرها الرجال، سواء في السياسة أو الاقتصاد أو البحث العلمي وغيرها الكثير . غير أن الأهمية الحقيقية لهذه التحولات لا تكمن فقط في الأرقام والمؤشرات الإحصائية، بل في التغير العميق الذي أصاب الوعي الجمعي تجاه مفهوم الكفاءة والقيادة، حيث لم تعد الريادة مرتبطة بنوع اجتماعي بعينه، بل أصبحت مرتبطة بالقدرة على الإبداع والإدارة وصناعة التأثير.
ومن هنا تبرز فكرة الريادة النسوية بوصفها أحد المفاهيم المركزية في النقاش المعاصر حول دور المرأة. فالريادة هنا لا تعني مجرد الحضور في مواقع القيادة، بل تشير إلى قدرة المرأة على إعادة تشكيل المجال الاجتماعي من خلال المبادرة والابتكار وإنتاج نماذج جديدة من الفعل التنموي والثقافي. وقد أظهرت التجارب الحديثة أن مشاركة النساء في مواقع صنع القرار تسهم في توسيع آفاق التنمية وتعزيز قيم الشفافية والعدالة الاجتماعية، وهو ما جعل تمكين المرأة أحد المؤشرات الأساسية لقياس تقدم المجتمعات.
غير أن الطريق نحو ترسيخ هذه الريادة لا يخلو من تحديات معقدة. فالكثير من المجتمعات ما تزال تعاني من فجوة بين النصوص القانونية الداعمة لحقوق المرأة وبين الممارسات الاجتماعية الفعلية. كما أن بعض البنى الثقافية التقليدية ما تزال تنظر إلى دور المرأة من منظور محدود يختزل طاقاتها وإمكاناتها. ومن هنا تبرز الحاجة إلى مقاربة أكثر عمق لقضية تمكين المرأة، مقاربة لا تكتفي بإقرار الحقوق الشكلية، بل تسعى إلى إحداث تحول ثقافي يغير أنماط التفكير ويعيد بناء العلاقة بين الجنسين على أساس التكامل لا التنافس.
إن الاحتفال بيوم المرأة العالمي، في هذا الإطار، يمثل أكثر من مجرد استعادة لذكرى تاريخية؛ إنه مناسبة لإعادة طرح السؤال الحضاري حول طبيعة المجتمع الذي نريد بناءه. فالمجتمعات التي تسعى إلى المستقبل لا يمكنها أن تفعل ذلك عبر استبعاد نصف طاقتها البشرية أو الحد من إسهامه في عملية البناء والتنمية. وعلى العكس من ذلك، فإن الاستثمار في قدرات المرأة وتوسيع مساحة مشاركتها في مختلف المجالات يمثل شرط أساسي لتحقيق تقدم حقيقي ومستدام.
لذا يمكننا القول إن التحول الأهم الذي شهده مسار القضية النسوية خلال العقود الأخيرة يتمثل في انتقالها من مرحلة الدفاع عن الحقوق الأساسية إلى مرحلة المشاركة الفاعلة في صياغة الرؤى المستقبلية للمجتمع. فالمرأة اليوم لم تعد مجرد موضوع للسياسات الاجتماعية، بل أصبحت فاعلاً أساسياً في إنتاج هذه السياسات وتوجيهها. وهذا التحول يعكس تطور عميق في الوعي الإنساني بقيمة المساواة بوصفها أساساً للاستقرار والتقدم.
وفي ضوء هذه التحولات، يغدو يوم المرأة العالمي علامة فارقة في الذاكرة الإنسانية؛ فهو يذكرنا بأن مسيرة العدالة لم تكن يوم ما مسار سهل أو خطاب بل كانت دائماً نتيجة تفاعل معقد بين النضال الاجتماعي والتطور الثقافي والتحولات الاقتصادية. كما يذكرنا بأن الريادة النسوية ليست درجة امتياز تمنح، بل ثمرة مسار طويل من الكفاح الفكري والاجتماعي الذي أسهم في إعادة رسم ملامح العالم المعاصر.
وهكذا، فإن الاحتفاء بالمرأة في يومها العالمي لا ينبغي أن يفهم بوصفه تكريم رمزي فحسب، بل باعتباره اعتراف بدورها الريادي في تشكيل الحاضر وصناعة المستقبل. فحين تمتلك المرأة الفرصة الكاملة للمشاركة والإبداع، لا يتغير موقعها وحدها داخل المجتمع، بل يتغير شكل المجتمع نفسه، وتتسع آفاقه نحو مزيد من العدالة والتوازن والإنسانية.