لم تعد أمراض القلب والأوعية الدموية مقتصرة على الفئات العمرية المتقدمة كما كان شائعا في السابق بل باتت تظهر بشكل متزايد بين فئات عمرية أصغر في تحول صحي يثير قلق المختصين حول العالم.
الأرقام العالمية تشير إلى أن هذه الأمراض ما تزال تتصدر قائمة أسباب الوفاة عالميا، بنسبة تقارب 32% من إجمالي الوفيات، أي ما يعادل نحو 17.9 مليون حالة وفاة سنويا، وفق تقديرات منظمة الصحة العالمية.
وتلفت المنظمة إلى أن أكثر من ثلاثة أرباع هذه الوفيات تحدث في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل، في ظل انتشار عوامل الخطر المرتبطة بنمط الحياة مثل التدخين، وارتفاع ضغط الدم، والسمنة، وقلة النشاط البدني.
وفي السياق المحلي، تظهر بيانات وزارة الصحة أن أمراض القلب والأوعية الدموية تشكل السبب الأول للوفاة في المملكة، حيث تستحوذ على النسبة الأكبر من الوفيات المسجلة سنويا، ضمن مجموعة الأمراض غير السارية التي تمثل ما يقارب 80% من إجمالي الوفيات في الأردن.
وتشير المعطيات الصحية الوطنية إلى انتشار ملحوظ لعوامل الخطورة المرتبطة بهذه الأمراض، وعلى رأسها ارتفاع ضغط الدم والسكري والسمنة والتدخين، مما يعزز الحاجة إلى تعزيز برامج الوقاية والكشف المبكر والتوعية الصحية، للحد من عبء هذه الأمراض على النظام الصحي والمجتمع.
وأوضحت الدكتورة الصيدلانية رهام غرايبة في تصريح إلى «$»، أن التحول الوبائي في أمراض القلب يعكس تغيرات عميقة في أنماط الحياة الحديثة، حيث باتت عوامل الخطر المرتبطة بالسمنة وقلة النشاط البدني واضطرابات الاستقلاب تنتشر على نطاق واسع، الأمر الذي ساهم في انخفاض سن الإصابة بأمراض القلب والشرايين مقارنة بما كان عليه الحال في العقود السابقة.
وبينت أن البيانات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية والاتحاد الدولي للقلب تشير إلى مؤشرات صحية مقلقة، حيث يترافق الارتفاع المستمر في استخدام الأدوية المخفضة للدهون المعروفة بـ«الستاتينات»، مع تزايد حالات تصلب الشرايين التاجية في أعمار أصغر، وهو ما يعكس اتساع دائرة عوامل الخطر المرتبطة بنمط الحياة المعاصر.
وأضافت غرايبة ان التدخين لا يزال أحد أبرز العوامل المساهمة في تفاقم المشكلة، إذ يسهم وحده في نحو 10% من وفيات أمراض القلب والأوعية الدموية عالميا، حيث يعمل التدخين كعامل مؤكسد قوي يؤدي إلى خلل في وظيفة بطانة الشرايين، مما يمهد لتشكل اللويحات التصلبية داخل الأوعية الدموية، ويزيد من خطر الإصابة المبكرة بأمراض القلب.
وأشارت إلى أن المتلازمة الأيضية باتت تشكل أحد أبرز التحديات الصحية الصامتة، حيث يتقاطع ارتفاع مستويات السكر في الدم مع السمنة والخمول البدني ليشكل ضغطا مستمرا على الجهاز القلبي الوعائي.
كما أن الإفراط في استهلاك الصوديوم وفق غرايبة، يمثل عاملا إضافيا في تفاقم المشكلة، إذ يتجاوز الاستهلاك في كثير من المجتمعات ضعف الحد الموصى به عالميا، والبالغ نحو 5 غرامات يوميا، مما يسهم في انتشار ارتفاع ضغط الدم الذي يقف وراء نحو 13% من الوفيات عالميا، ويعرف طبيا بأنه «القاتل الصامت».
ولفتت غرايبة الى أن العوامل النفسية بدورها تلعب دورا متزايدا في التأثير على صحة القلب، حيث يؤدي التوتر المزمن إلى إفراز مستمر لهرمونات التوتر مثل الأدرينالين والكورتيزول، مما يسبب تغيرات في انتظام ضربات القلب وقد يؤدي إلى اضطرابات نظم القلب.
ونوهت إلى أن دراسات حديثة ربطت بين الضغوط النفسية الحادة وبين ما يعرف بـمتلازمة القلب المنكسر، وهي حالة من اعتلال عضلة القلب المرتبط بالتوتر النفسي الشديد.
وأكدت أن التحدي الحقيقي في مواجهة أمراض القلب لا يكمن في نقص العلاجات الدوائية، بل في ضعف الالتزام العلاجي لدى المرضى، مشيرة إلى أن الإحصائيات العالمية تظهر أن نحو 50% من المرضى يتوقفون عن تناول أدويتهم المزمنة خلال السنة الأولى من العلاج، وهو ما يزيد من احتمالية حدوث مضاعفات خطيرة مثل السكتات الدماغية أو فشل القلب.
وشددت غرايبة على أن الالتزام بالعلاج والسيطرة على عوامل الخطر، يمكن أن يحدثا فرقا ملموسا في الوقاية من المضاعفات، إذ إن خفض ضغط الدم الانقباضي بمقدار 10 ملم زئبق فقط، قد يقلل خطر الإصابة بالسكتة الدماغية بنسبة 27%، ويخفض خطر فشل القلب بنسبة 28%.
ونبهت إلى أن مواجهة العبء المتزايد لأمراض القلب، تتطلب تعزيز ثقافة الوقاية المبكرة واعتماد أنماط حياة صحية، إلى جانب تمكين المرضى من فهم أهمية الالتزام بالعلاج الدوائي، والسيطرة على عوامل الخطر الاستقلابية، باعتبار أن الوقاية تبقى حجر الأساس في حماية صحة القلب، والحد من هذا العبء الصحي المتنامي.