النسخة الكاملة

الطاقة بين الأمل والرقم…لماذا تحتاج أرقام الغاز إلى رواية موحّدة؟

الأحد-2026-03-08 01:22 am
جفرا نيوز -

 
البرفسور عبد الله سرور الزعبي
مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية
 
في عالم الطاقة، لا تبدأ السياسات من الجغرافيا وحدها، بل من الأرقام. فالأرقام ليست مجرد بيانات تقنية تُدرج في التقارير أو تُذكر في المؤتمرات الصحفية؛ بل هي اللغة التي تتحدث بها الدول عن مستقبلها الاقتصادي، والمعيار الذي تُبنى عليه الثقة بين الدولة والمجتمع.
 
الحديث عن احتياطيات النفط والغاز مسألة تتجاوز التقديرات الجيولوجية البحتة. فحين تُذكر الأرقام، فهي لا تُقاس بحجمها فقط، بل بما تمثله من سقوف للتوقعات الاقتصادية، ومدى اتساقها واستقرارها ووضوح المنهجية العلمية التي تقف خلفها.
 
في الاقتصاد السياسي للطاقة، لا تكمن المشكلة غالبًا في وجود الموارد أو عدمها، بل في كيفية إدارة المعرفة المرتبطة بها؟، ومن هي الجهة المسؤولة عن التقدير والتحقق؟
 
لا يمكن قراءة أرقام الغاز أو تقديرات الاحتياطيات في الأردن بمعزل عن التحولات الكبرى التي شهدها شرق المتوسط خلال العقد الأخير. حيث تحولت المنطقة إلى واحدة من أكثر مناطق العالم نشاطًا في اكتشافات الغاز، مع بروز حقول ضخمة أعادت رسم خريطة الطاقة الإقليمية وخلقت تحالفات اقتصادية وجيوسياسية جديدة.
 
في هذا المشهد، يجد الأردن نفسه في موقع جغرافي حساس بين ثلاث دوائر طاقة كبرى، شرق المتوسط، ومنظومة الطاقة الخليجية، وشبكات الغاز في مصر والعراق. هذا الموقع يمنح الأردن فرصة استراتيجية مهمة؛ فالدول الواقعة على مفترق طرق الطاقة لا تُقاس أهميتها فقط بحجم مواردها الطبيعية، بل بقدرتها على التحول إلى عقدة لوجستية في شبكات الطاقة الإقليمية. ومن هنا يصبح تطوير الموارد المحلية، حتى لو كانت متوسطة الحجم، عنصرًا مهمًا في تعزيز استقلال الطاقة ورفع قدرة الدولة على المناورة الاقتصادية والجيوسياسية.
 
خلال السنوات الأخيرة، عاد ملف الطاقة في الأردن إلى الواجهة بأرقام كبيرة ووعود لافتة، مع حديث عن احتياطيات تُقدَّر بتريليونات الأقدام المكعبة وخطط توسع في حفر عشرات الآبار في حقل الريشة. غير أن قوة الأمل لا تعفي الخطاب العام من الانضباط الرقمي؛ فحين تتحرك الأرقام بين تقديرات متباينة، أو تظهر فجوة في البيانات التفصيلية المتاحة، يصبح السؤال، كيف تُبنى رواية الطاقة الوطنية؟ وعلى أي أساس تُقدَّم الأرقام للرأي العام؟
 
هذا السؤال لا يُطرح بدافع التشكيك، بل بدافع الحرص على أن تكون الأرقام جزءًا من خطاب مؤسسي متماسك يوازن بين الطموح والانضباط العلمي، وبين الأمل الاقتصادي ومتطلبات الشفافية.
 
خلال الأعوام 2022–2026 شهد خطاب قطاع الطاقة، وخصوصًا فيما يتعلق بحقل الريشة الغازي وحمزة النفطي، تحولات لافتة في الرواية الرقمية. فقد انتقل الخطاب من تفاؤل معلن بأرقام كبيرة وسقوف زمنية محددة، إلى قدر من التحفظ المعلوماتي، وصولًا إلى توصيف الإنتاج بأنه ما يزال "متواضعًا" ولا يرفد الخزينة بإيرادات تُذكر.
 
طُرحت أرقام متعددة لمستويات الإنتاج المتوقعة من حقل الريشة؛ إذ جرى الحديث عن إنتاج 45–55 مليون قدم مكعب يوميًا، ثم 75 مليون "طاقة إنتاجية"، ثم عن 200 مليون، وصولًا إلى 418 مليون، والعودة الى 200 مليون قدم مكعب يومياً.
 
في 20/6/2022 طُرح هدف الوصول إلى 200 مليون قدم مكعب يوميًا خلال ثلاث سنوات (نهاية عام 2025). وفي 9/12/2022 جرى الحديث عن قدرة انتاجية 50 مليون قدم مكعب يوميًا، رغم أن الإنتاج آنذاك كان يقارب 14.75 مليون قدم مكعب يوميًا.
 
القفزة الكبرى ظهرت يوم 19/11/2024، حين تم الإعلان عن احتياطيات غاز في منطقة الريشة، قُدّرت في السيناريو المتوسط 11.99 تريليون قدم مكعبة، وفي المرتفع 16 تريليون قدم مكعبة، وفي الأدنى 9.4 تريليون قدم مكعبة، مع رقم قابل للاستخراج 4.675 تريليون قدم مكعبة.
 
غير أن هذه الأرقام واجهت مفارقة لافتة بعد أسابيع قليلة، حين أشارت مخاطبة من شركة البترول الوطنية (16/12/2024) إلى احتياطيات مثبتة بحدود 411.3 مليار قدم مكعب. والفارق بين التريليونات ومئات المليارات ليس تفصيلًا إحصائيًا، بل فجوة مفاهيمية كبيرة تستدعي تفسيرًا علميًا واضحًا يشرح الفرق بين التقديرات الجيولوجية والاحتياطيات المثبتة.
 
جيولوجيًا، توصف مكامن الريشة بأنها مكامن ذات طبيعة قنوات رسوبية (Channels) ومصائد استراتيغرافية (Stratigraphic Traps)، وليست تراكيب جيولوجية تقليدية كما في الحقول الكبرى، وهو ما يعقّد الحسابات بسبب تداخل عوامل المسامية والنفاذية والتشبع وأبعاد المكمن.
 
ومن هنا يبرز السؤال العلمي البديهي، هل نتحدث عن احتياطي مؤكد (Proven) أم محتمل (Possible) أم ممكن (Probable)؟ فالفارق بين هذه التصنيفات لا يتعلق باللغة، بل بدرجة اليقين الجيولوجي وقابلية الاستخراج الفعلي.
 
لاحقًا ظهر هدف بلوغ 78 مليون قدم مكعب يوميًا مع نهاية 2025، ليحل محل هدف 200 مليون قدم مكعب المعلن عنها سابقاً. ثم انتقل الخطاب إلى هدف 418 مليون قدم مكعب يوميًا في عام 2030 (13/2/2025 و24/4/2025)، مع حديث آخر عن الطموح لتلبية احتياجات المملكة بحلول 2033، علمًا بأن احتياجات الأردن تُقدَّر بنحو 320–350 مليون قدم مكعب يوميًا، وحديث اخر عن ذروة إنتاج تبلغ 500 مليون قدم مكعب يوميًا في عام 2034، والوصول الى مستويات مرتفعة عام 2050 (ماذا عن ذروة الإنتاج 2034).
 
لكن عند العودة إلى تقارير الإنتاج الفعلية تظهر صورة أكثر تحفظًا؛ فمتوسط الإنتاج خلال العقد الأخير لم يتجاوز في أفضل حالاته 6.75 مليار قدم مكعب سنويًا. بيانات شركة البترول اشارت إلى أن الإنتاج خلال الفترة من 1/1 وحتى 30/9/2025، بلغ حوالي 5.05 مليار قدم مكعب (18.7 مليون قدم مكعب يوميًا).
 
وفي دراسة صادرة عن مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية (4/5/2025)، خلصت الدراسة، التي استندت إلى تاريخ الإنتاج وعدد الآبار المنتجة ومتوسط إنتاج كل بئر وخطة حفر 145 بئرًا، إلى أن الوصول إلى انتاج 150–200 مليون قدم مكعب يوميًا في عام 2030، يشكّل بحد ذاته إنجازًا وطنيًا كبيرًا.
 
غير أن المفارقة ظهرت في تقرير منشور يوم 13/1/2026، بعنوان "8 مشروعات طاقة ضمن خطط الحكومة بحلول 2029"، حيث ورد أن الهدف هو رفع الإنتاج إلى 200 مليون قدم مكعب يوميًا بحلول 2030، وهو اقل من نصف الهدف (418 مليون قدم مكعب) المعلن عنه عام 2025، الا انه يتوافق مع نتائج دراسة مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية المنشور يوم 4/5/2025.
 
حتى بداية 2026 كان الخطاب يعتمد أرقامًا وسقوفًا زمنية واضحة (رغم تذبذبها)، لكن في شباط 2026 ظهرت تصريحات، الإنتاج الحالي متواضعًا ولا يحقق إيرادات تدخل إلى خزينة الدولة. وهنا يتشكل التناقض الزمني بوضوح، في 2022 إنتاج يقارب 31 مليون قدم مكعب يوميًا مع خطة للوصول إلى 200 مليون في 2025؛ وفي 2025 حديث عن 75 مليون، مع هدف 418 مليون في 2030؛ و500 مليون في عام 2034؛ ثم العودة إلى هدف 200 مليون في 2030.
 
تضارب الأرقام لم يقتصر على الإنتاج، بل امتد إلى عدد الآبار التي سيتم حفرها ضمن خطة الإنتاج.
 
فقد أُعلن يوم 9/11/2024 أن خطة الشركة للأعوام 2024–2029 حفر 70 بئرًا. وفي شباط وأيار 2025 جرى الإعلان عن خطة لحفر 145 بئرًا خلال الفترة 2025–2030. لكن العطاء كان لحفر 80 بئرًا خلال ثلاث سنوات، وبقيمة مالية بلغت 174 مليون دولار، منها 87 مليون دينار من أموال الخزينة (35 مليون دينار للعام 2026).
 
وهنا يبرز السؤال الجوهري، أي الأرقام يمكن أن يعتمدها المواطن؟ وأي رقم يعكس الواقع الفعلي؟
 
ويبرز سؤال اخر، لماذا لم تقم الشركة بالحفر بنفسها باستخدام حفاراتها، والحفارة التي قدمتها شركة أدنوك الإماراتية كهدية لوزارة الطاقة؟ خاصة أن حفر البئر الواحدة قد يحتاج 30–40 يومًا، وأن حفر 80 بئرًا بعمق يقارب 2750 مترًا قد يستغرق نحو 3.5–4 سنوات، وهو ما قد يوفّر جزءًا من تكاليف العطاء، تستغل في التوسع بالمشاريع، لكي لا يتم التوجه بالطلب من مصادر أخرى، مثل صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي مثلاً (هناك مخاطبات في شهر 10/2025).
 
الصورة نفسها تتكرر في حقل حمزة النفطي. فقد قيل إن إعادة تأهيل الحقل سترفع الإنتاج إلى 2000 برميل يوميًا، لكن البيانات أظهرت انخفاض الإنتاج من 107,880 برميل عام 2021 (295 برميل يومياً) إلى نحو 19 ألف برميل في 2024، ومثلها لعام 2025 (متوسط يقارب 52 برميلًا يوميًا).
 
خلال خمس سنوات لم يتجاوز إجمالي الإنتاج 283 ألف برميل، وهو ما يعادل استهلاك الأردن ليومين ونصف تقريبًا.
 
اليوم وزارة الطاقة تنفذ مشروع المسح الزلزالي ثلاثي الأبعاد في الجفر بكلفة 29.035 مليون دولار، واعلن (29/4/2024 و29/10/2024 و21/4/2025 و12/2/2026) أن التمويل، يأتي من عوائد حقل حمزة. السؤال المالي هنا، هل تكفي عوائد حقل حمزة لتغطية مشروع استكشافي بهذا الحجم بعد احتساب الكلف التشغيلية وحصة شركة البترول الوطنية بدل إدارة العمليات للحقل؟
السؤال ليس تشكيكًا، بل طلب إيضاح عبر الإعلان للرأي العام عن صافي الإيرادات المتأتية من حقل حمزة النفطي، التي يسوق بانها ستغطي تكاليف المسح الزلزالي، دون التفكير باستخدام مصادر أخرى مثل أموال صندوق فلس الريف او غيرها.
 
في النهاية، لا ينبغي النظر إلى النقاش حول خطط انتاج الغاز بوصفه جدلًا تقنيًا ضيقًا. فالأمر أعمق من ذلك بكثير؛ فالأرقام في قطاع استراتيجي ليست مجرد بيانات جيولوجية، بل جزء من اللغة التي تتحدث بها الدولة عن مستقبلها الاقتصادي.
 
التفاؤل مشروع، لكنه يحتاج إلى انضباط رقمي، والطاقة ليست ملفًا إعلاميًا، بل ركيزة سيادية اقتصادية، والمصداقية ليست تفصيلًا إداريًا، بل أساس الثقة العامة.
 
ان ما يحتاجه الرأي العام اليوم ليس المزيد من الأرقام المتغيرة، بل خريطة طريق واضحة تُعلن فيها الأهداف المرحلية ومؤشرات الإنجاز ونقاط المراجعة، وتفعيل مبدأ الشفافية والمسألة عن كل رقم يعلن. وعندما تصبح الأرقام واضحة ومتسقة، تتحول من مصدر للجدل إلى أساس للثقة، ومن مادة للخطاب العام إلى ركيزة لاقتصاد وطني قادر على بناء مستقبله بثبات.
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير