جفرا نيوز -
بشار جرار
ما أجملها الأعياد والمناسبات الدينية. وما أحلاها تلك المواسم التي أراد بها الخالق سبحانه تنبيه الإنسان إلى أنها سر من أسرار الخلق، وحكمة تتجلى بقدرته على تسخير الثابت والمتغير لصالح الإنسان الأقدر على التكيّف. لذلك عُرف الإنسان بأنه ذلك الكيان العاقل القادر على البقاء رغم الصعاب والتحديات والملمّات، ومن ثم النماء فالتميز. «وفي ذلك فليتنافس المتنافسون» كما ورد في الذكر الحكيم.
وعلى ذكر التنافس، تأتي مكانة وقيمة العمل، كواجب وكحق، وتأتي من بعد مسؤولية دفع الأجر. «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجفّ عرقه»، كما ورد في الحديث الشريف. مع تقدم الحياة وتعقيداتها، وتغير ظروف المحاسبة المالية واعتباراتها الاقتصادية، تباينت آليات دفع الأجور، منها ما هو يومي -كعمّال «المياومة»- ومنها ما يتم احتسابه بالساعة. منها ما يتم دفعه كراتب كل أسبوعين كما هو شائع هنا في بلاد العم سام، ومنها ما هو شهري كما هو الحال في الأردن والشرق الأوسط.
يبادر القائمون على إدارة الشؤون المالية والإدارية في القطاعين العام والخاص -وذلك ليس حقا مكتسبا للعاملين- يبادرون إلى تقديم صرف الرواتب بضعة أيام قبل حلول آخر الشهر. تطور ذلك «العرف» المالي إلى التدخل الإداري وأحيانا السياسي، بتبكير صرف الرواتب لأسباب اقتصادية اجتماعية، وأحيانا سياسية أمنية. والأمن هنا ليس بالمعنى الشامل والعميق، بل لا يعدو أحيانا عن كونه أمنا وظيفيا أو عنصر استقطاب للمتميزين في سوق عمل شديد التنافسية في بعض القطاعات والصناعات. بعض الدول والشركات المقتدرة ماليا، تمنح إجازات مدفوعة الأجر، وتصرف مكافآت مجزية، وتسهّل الحصول على سلف ميسرة متدنية الفوائد أو «المرابحة»، توكيدا لاحتفالية بعيد ما أو موسم خاص، سواء أكان ذلك ذي خلفية دينية أم سياسية أم اجتماعية، بما فيها المناسبات الرياضية، كالبطولات والتصفيات الموسمية.
لكن ما تقدم، لا يقدم ولا يؤخر شيئا في عدد أيام الشهر!
أذكر تلك الأيام، عندما بدأت تلك العادة الحميدة، السُنّة الحسنة أو البدعة المختلفُ عليها، أو الاستثناء المربِك وغير المبرر، أذكر انحسار تيار المهللين وتنامي تيار العقلانيين بعد تلاشي زهوة الأخبار السارة بتقديم صرف الرواتب. فتوفر المال وانسيابه بين يدي رب الأسرة والتي صار فيما بعض الوالدين بعد تفشي ظاهرة عمل الأم والأب، توفره قبل أوانه، يعزز الميل نحو إنفاق قد لا يكون رشيدا. والأهم، أن ذهنية توقع «الإنزال» المالي عبر إشعار بنكي، قد تمكّن «المدمن» على الاقتراض، أو من يستسهل السعي إليه -وقد صار عبر بضع نقرات على الهاتف «الذكي»- تمكّنه من الارتكاز على أرضية رخوة لا بل رمالا متحركة سرعان ما تبتلع الموجود -نقديا أو ائتمانيا- إلى غياهب الديون حتى وإن كانت صفرية الفوائد أو خالية من المرابحة!
الادخار هو القيمة السامية في فريضة الصوم في الأديان كلها، فحرمان النفس مما لذ وطاب له أجر يتم ادخاره للدار الآخرة. والادخار بجانبه الدنيوي، لا لسد الاحتياجات الحياتية، وما هي بأي حال مفاجئة أو خارجة عن المألوف، فكلنا نعلم مواسم الأعياد بأنواعها، وكذلك متطلبات الإنفاق الأساسية الدورية التي لا علاقة لها بالأعياد لكنها مرتبطة أيضا بالمواسم، كأعمال صيانة السيارات الدورية استعدادا لفصل الشتاء مثلا. الادخار المطلوب هو لغايات الاستثمار فيما هو أهم وأبقى من الاستهلاك اليومي، كالاستثمار في بذار خير، نواة عمل خاص، مشروع صغير، يكبر ريعه وحصاده مع الأسرة عاما بعد عام، فيصير ما يمكن توريثه لأجيال.
رمضان الفضيل المبارك بأيامه ولياليه الجميلة، مناسبة روحية، غفر الله لمن جعلها استهلاكية وترفيهية، سيما بعض الممارسات التي لا يقبلها شرع ولا عرف ولا قانون.
اللهم أعنا أجمعين -مسلمين ومسيحيين- على صوم مبارك يرضي الله، ويقرب بممارساتنا ومعاملاتنا الناس إليه وإلينا. ولراتب رمضان الفضيل أو ولراتب صيام الفصح المجيد موسمي الصوم الإسلامي والمسيحي اللذين يتقاطعان هذا العام أيضا، بركة ستغنينا بعون الله عن «سُلَف» العيد.