جفرا نيوز -
أكد الخبير في الأمن الغذائي فاضل الزعبي أنه مع حلول شهر رمضان المبارك تتجدد في الأردن ظاهرة الهدر الغذائي بصورة لافتة ومقلقة، إذ ترتفع معدلات الاستهلاك الغذائي بنسبة تصل إلى 25-30% مقارنة ببقية أشهر السنة.
وأوضح أن تقارير جمعية حماية المستهلك وخبراء الأمن الغذائي تشير إلى أن ما يقارب 35% من هذا الاستهلاك المتزايد ينتهي في النفايات، ما يحول شهر البركة والتكافل إلى مساحة للإسراف غير المبرر.
وأشار الزعبي إلى أن الأرقام الرسمية الأحدث تكشف حجم المشكلة بوضوح. فبحسب تقرير برنامج الأمم المتحدة للبيئة لعام 2024، يهدر الفرد الأردني سنويا نحو 101 كغم من الطعام، أي ما يزيد على 1.1 مليون طن على المستوى الوطني. وفي دراسات وطنية حديثة أطلقت في ديسمبر 2025 من قبل وزارة الزراعة ودائرة الإحصاءات العامة وبرنامج الأغذية العالمي، تبين أن متوسط الهدر الغذائي السنوي للفرد في القطاع المنزلي يبلغ 81.3 كغم، مع تسجيل أعلى المعدلات في محافظة الزرقاء وأدناها في عجلون. أما في القطاعات الأخرى، فيصل الهدر في المطاعم إلى نحو 12,291 طنا، وفي الفنادق 3,739 طنا خلال عام 2024، وفي المستشفيات 1,302 طن. وتعكس هذه الأرقام أن القطاع المنزلي يشكل الحصة الأكبر من الهدر، وغالبا ما يرتبط ذلك بأنماط الاستهلاك وعادات الشراء غير المدروسة وضعف إدارة الطعام داخل المنازل.
وقال الزعبي إن الظاهرة تتفاقم في رمضان تحديدا نتيجة الإفراط في إعداد وجبات الإفطار والسحور، وكثرة الولائم العائلية والاجتماعية، إضافة إلى العروض الترويجية التي تدفع إلى شراء كميات تفوق الحاجة. وتشير تقارير محلية إلى أن نسبة الهدر قد تصل إلى 30% من الطعام المعد خلال الشهر، في تناقض واضح مع روح رمضان القائمة على الاعتدال والتكافل.
وأضاف أن هذا الإسراف لا يقتصر على الأردن، بل ينسحب على دول إسلامية أخرى. ففي منطقة غرب آسيا يصل الهدر في رمضان إلى ما بين 30 و50% من الطعام المعد، فيما يقدر في دول الخليج مثل قطر والإمارات والسعودية بما يتراوح بين 25 و50%، ما يجعل الشهر من أكثر الفترات إهدارا على مستوى العالم الإسلامي.
وبين الزعبي أن تداعيات الهدر الغذائي لا تقف عند الحدود المحلية، بل ترتبط بارتفاع أسعار الغذاء عالميا. ومع زيادة الفائض غير المستغل محليا، يضطر الأردن الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد لتأمين السلع الأساسية إلى استيراد كميات إضافية.
وأشار إلى أنه في ظل التقلبات الحادة في الأسواق الدولية الناتجة عن الصراعات الجيوسياسية والتغيرات المناخية وارتفاع أسعار الطاقة، يصبح الأردن أكثر عرضة للصدمات الخارجية. فأي زيادة في الأسعار العالمية تنعكس مباشرة على فاتورة الاستيراد وعلى قدرة الأسر على تحمل تكاليف الغذاء، بما يهدد الأمن الغذائي الوطني ويعمق الهشاشة الاقتصادية.
وعلى المستوى الوطني، فإن تقليل الهدر بنسبة معقولة يمكن أن يوفر ملايين الدنانير سنويا، ويخفف الضغط على الموارد المائية والأراضي الزراعية المحدودة. كما يفاقم الهدر الأعباء المالية على الأسر، لا سيما في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، ويضعف قدرتها على مواجهة ارتفاع أسعار السلع الأساسية.
ولفت الزعبي إلى أن الأثر البيئي للهدر لا يقل خطورة، إذ يقود إلى استنزاف واسع للأراضي الزراعية والمياه التي تعد من أندر الموارد في الأردن، ويسهم في توليد ما بين 8 و10% من انبعاثات غازات الدفيئة عالميا، ولا سيما غاز الميثان الذي يشكل نحو 30% من ظاهرة الاحتباس الحراري عند تحلل النفايات العضوية في المكبات. وفي بلد يعاني من شح مائي حاد، يصبح الهدر الغذائي عاملا مباشرا في تعميق الأزمة، لأن إنتاج الطعام المهدور يستهلك كميات كبيرة من المياه والطاقة تذهب بلا فائدة.
وأوضح الزعبي أن أسباب الهدر في رمضان تتمثل في الإفراط في إعداد الطعام بدافع العادات الاجتماعية والضيافة، والتسوق غير المدروس تحت تأثير العروض والخوف من النقص، وضعف التخطيط والتخزين، والعزوف عن استخدام البقايا تفضيلا للأطعمة الطازجة، إضافة إلى إقامة ولائم تفوق أعداد الحضور الفعلي.
وأكد كذلك ضرورة تعزيز ثقافة التبرع والمشاركة عبر توزيع الفائض على الجيران أو إيصاله إلى بنوك الطعام والجمعيات الخيرية، إلى جانب الاعتدال في تنظيم الولائم وتحديد أعداد الضيوف مسبقا، وإشراك الأطفال في التخطيط والطهي لتعزيز وعيهم بقيمة النعمة.