جفرا نيوز -
بالرغم من أنني أسافر إلى دولٍ كثيرة حول العالم…
أعبر مطاراتٍ ضخمة تزدحم بلغاتٍ ولهجات، وأمشي في شوارعٍ يتلألأ بعضها بناطحات السحاب، أو بالشوارع الواسعة والحدائق الغنّاء، وأرى في بعضها تقنياتٍ تُدهش العين قبل العقل…
دولٌ قد تكون أكثر تقدّماً تكنولوجياً، أو أوسع إمكانيات، أو أغزر موارد، أو أسرع إيقاعاً في سباق الاقتصاد والحداثة…
إلا أنني، في كل مرة أعود فيها إلى الأردن، أشعر أنني لا أعود إلى مكانٍ فحسب… بل أعود إلى نفسي.
أعود إلى اسمي كما يُنطق بحب، وإلى وجهي كما تعرفه الوجوه، وإلى دفءٍ لا تصنعه أنظمة التدفئة، بل تصنعه القلوب.
في الأردن أجد هويتي… ومكانتي… وطمأنينتي.
أجد البساطة التي لا تُشترى، والصدق الذي لا يُسوّق، والإنسان الذي ما زال يقدّم "الفزعة” على المصلحة، و”الشهامة” على الحسابات الباردة.
هنا أعرف قيمة الأشياء. قيمة رغيف الخبز حين يُقسم بين اثنين، وقيمة الجار حين يُطرق بابه بلا موعد، وقيمة الكلمة حين تُقال بصدق لا بتجميل.
وهنا أدرك أن كثيراً مما نعدّه "أزمات” أو "ضيقاً” أو "تراجعاً”، قد يغدو ترفاً أمام هموم شعوبٍ أخرى تبحث عن وطنٍ آمن، أو عن دولةٍ مستقرة، أو عن ليلةٍ بلا صوت خوف.
ندرك عند المقارنة أن الأمن ليس أمراً اعتيادياً، وأن الاستقرار ليس تفصيلاً عابراً، وان هناك امور صغيرة كنا نعتبرها مسلمات ولكنها عند غيرنا حلم وأمل، وأن نعمة الدولة ليست أمراً مسلّماً به في هذا العالم المضطرب.
أنا لست سياسياً، ولست صاحب منصب، ولا موظفاً حكومياً.
أنا مواطن يكتب ما يشعر به، لا ما يُملى عليه.
أكتب لأن في القلب كلاماً لا يحتمل الصمت، ولأن الامتنان لا يحتاج إلى تكليف رسمي.
أعرف أن قوة هذا البلد ليست في موارده المحدودة،
وليست في مساحته الصغيرة،
وليست في أرقامه الاقتصادية فقط…
قوة هذا البلد في شعبه… في تمسّك الناس ببعضهم عند الشدّة، في صبرهم حين تضيق السبل، في قدرتهم على تحويل الألم إلى أمل، والضيق إلى دعاء، والتحدي إلى فرصة.
ونملك رغم كل ما يُقال قيادة راقية، لم تجعل الدم وسيلتها، ولم تعرف الفجر موعداً لمداهمة الأفكار، ولم تبنِ حضورها على الخوف. وفي محيطٍ إقليمي مضطرب، تبقى هذه الحقيقة ثقلاً يُحمد ولا يُنكر.
نعم… لدينا أوجاع… نعم… اقتصادنا يمرّ بتحديات صعبة.
نعم… شبابنا يستحق فرصاً أوسع، وعدالةً أشمل، ومستقبلاً أكثر إشراقاً.. ونعم… علينا أن نحارب الفساد بلا هوادة، وأن نُسقط المفسدين من حساباتنا قبل أن يُسقطوا ثقة الناس. ونعم… يحق لنا أن نقارن أنفسنا بالأفضل لا بالأسوأ، وأن نطمح دائماً لما هو أرقى وأعدل وأجمل.
لكن، وبين الطموح المشروع والسخط غير المنصف، شعرةٌ من إنصاف يجب ألا نقطعها.
فنحن والله بخير…. خيرٌ قد لا نراه كل يوم، ونِعَمٌ قد لا نشعر بها إلا إذا اهتزّت الأرض تحت أقدامنا...
أمنٌ نسير به في شوارعنا ووطنٌ ما زال برغم كل الضغوط منالاً وأملاً لكثير من الشعوب التي تنظر إلينا بعين الرجاء…
إن من ن أعظم العبادات التي نحتاجها اليوم.. عبادة الشكر.
أن نشكر الله على ما لدينا قبل أن نطلب المزيد، وأن نحمده على الاستقرار قبل أن نطالب بالازدهار وهو حق مشروع لنا وعلينا ان نعمل من اجله لاننا نستحقه، وفي المقابل علينا أن نحفظ على نعمنا قبل أن نحاسب على زوالها لا سمح الله ..
فالحمد لله دائماً وأبداً… حمداً يليق بعطائه، ويليق بستره، ويليق بلطفه الخفي…
وحمى الله وطننا… وحفظ قيادتنا… وصان شعبنا الطيب من كل مكروه.
الأردن ليس مجرد مكانٍ على الخريطة…
الأردن حالةُ انتماء، وهويةُ روح، ووطنٌ حين تضيق بنا الدنيا… لكنه اتّسع بنا ولنا بحبه ودفئه وأصالته …
رامي الخياط