النسخة الكاملة

"الأردن في أسبوع: استقرار يُدار على شفير الصمت المكلف"

السبت-2026-02-07 07:04 pm
جفرا نيوز -

بقلم د. ايمن الخزاعلة
لم يكن الأسبوع الأول من فبراير 2026 أسبوع أحداث كبرى بقدر ما كان أسبوع إنذارات مكتومة. لا انفجار سياسي، ولا هزة أمنية، بل ما هو أخطر: تراكم إشارات تقول بوضوح إن إدارة الدولة بالوتيرة التقليدية لم تعد كافية في إقليم فقد توازنه، وتحوّلت فيه الأخطاء الصغيرة إلى أثمان استراتيجية باهظة.
جاء إحياء ذكرى الوفاء والبيعة هذا العام في توقيت بالغ الحساسية، حيث يصبح تثبيت الشرعية السياسية فعل حماية للدولة لا مجرد طقس بروتوكولي. وتزامن ذلك مع رحيل رئيس الوزراء الأسبق أحمد عبيدات، لا كحدث جنائزي عابر، بل كاستدعاء صريح لذاكرة الدولة العميقة: دولة القانون، سؤال الإصلاح، وحدود العلاقة بين السياسة والأمن. لم يكن المشهد مجالًا للحنين، بل فرصة للمراجعة الهادئة في زمن لا يحتمل الشعارات.
في هذا السياق، اكتسب اللقاء الذي عقده جلالة الملك عبدﷲ الثاني مع نخبة من الشخصيات السياسية والإعلامية دلالته الأعمق. لم يكن لقاء مجاملة أو خطابًا عامًا، بل جلسة رسائل مباشرة: المصلحة الوطنية ليست مادة شعبوية، والخطاب السياسي والإعلامي إما أن يكون رافعة للاستقرار أو عبئًا عليه. حديث الملك عن إيران وسوريا وغزة لم يكن توصيفًا دبلوماسيًا تقليديًا، بل رسمًا لخط أحمر واضح: الأردن لا يغامر، لكنه أيضًا لا يقبل أن يُستدرج إلى صراعات الآخرين أو أن يدفع ثمن الفوضى الإقليمية بصمته.
حكوميًا، أقرّت الحكومة الأسباب الموجبة لقانون الملكية العقارية لسنة 2026 في خطوة تُعدّ تحديثًا حيويًا للتشريعات العقارية، تهدف إلى تحفيز الاستثمار، تسريع إجراءات البيع والشراء، وتخفيف النزاعات القانونية التي طالما أعاقت سوق العقارات الأردني. هذا القانون، في حال تنفيذه بصرامة ووضوح، سيؤثر مباشرة على ثقة المستثمرين والمواطنين على حد سواء، ويخلق بيئة أكثر شفافية ومرونة، لكنها تبقى بحاجة إلى متابعة دقيقة لضمان عدم استغلال الثغرات القانونية.
على الصعيد التعليمي، أعلنت وزارة التربية والتعليم نتائج الدورة التكميلية للتوجيهي لعام 2025 ما فتح باب المنافسة على المقاعد الجامعية. هذه النتائج أعادت إلى الواجهة النقاش حول سياسات القبول الجامعي والتعليم العالي، حيث يشكو كثير من الطلاب والأسر من ازدواجية المعايير، وتأخر فتح القبول الموحد، وعدم وضوح المعايير الخاصة بالجامعات الرسمية والخاصة. المطلوب، وفق المراقبين والخبراء، هو نظام قبول موحد، شفاف، يعتمد على الكفاءة وليس المصالح الإدارية، ويمنح كل طالب فرصته دون تعقيدات بيروقراطية.
داخل البلاد، تكشف القرارات الاقتصادية هشاشة أكبر من الأرقام. الجدل الذي رافق تطبيق ضريبة المبيعات على الطرود البريدية لم يكن خلافًا ماليًا عابرًا، بل مؤشرًا على فجوة ثقة آخذة بالاتساع بين صانع القرار والمجتمع. حين يُقال للمواطن إن القرار "صحيح حسابيًا” بينما يشعر هو بأنه مجحف اجتماعيًا، فإن المشكلة لا تكون في الضريبة ذاتها، بل في طريقة التفكير التي أدارتها وفي ضعف التواصل السياسي حولها. اقتصاد بلا حس اجتماعي قد يتحول من أداة إنقاذ إلى وقود غضب مؤجل.
في المقابل، جاء انطلاق الدورة التدريبية الأولى لمكلفي خدمة العلم بحلتها الجديدة ليطرح سؤالًا مختلفًا: هل تعيد الدولة تعريف علاقتها مع جيل كامل من الشباب؟ هذه الخطوة، بما تحمله من أبعاد وطنية وتنموية، لا تحتمل التجميل الخطابي. إما أن تتحول إلى مشروع حقيقي للانضباط والتمكين وربط التدريب بسوق العمل، أو أن تنزلق إلى تجربة شكلية تُستنزف سياسيًا قبل أن تؤتي ثمارها.
خارجيًا، يراقب الأردن المفاوضات حول الملف النووي الإيراني، وتداعيات الحرب على غزة، ومستقبل سوريا، لا بقلق المراقب البعيد، بل بحساب الدولة التي تعرف أن أي اختلال إقليمي قد يترجم داخليًا إلى ضغط اقتصادي أو اجتماعي مباشر. من هنا، فإن التأكيد الملكي على ضرورة تنفيذ اتفاق إنهاء الحرب في غزة ووقف التصعيد في الضفة الغربية لا يُقرأ فقط كموقف أخلاقي أو سياسي، بل كجزء من معادلة الدفاع عن الأمن الوطني الأردني.
 خلاصة الأسبوع لا تكمن في حدث بعينه، بل في معادلة دقيقة وخطرة: الدولة مستقرة، والسياسة حذرة، والاقتصاد يُدار بالأرقام بينما الشارع يُدار بالمشاعر. الأردن هذا الأسبوع يثبت قدرته على إدارة التوازنات: لا صخب مفاجئ، ولا تراجع عن الثوابت، بل إدارة حكيمة وسط ضغوط الداخل والإقليم. ومع ذلك، الصمت المكلف أصبح مخاطرة واضحة، والخطر يكمن في تراكم القلق الصامت أكثر من أي حدث مفاجئ. على الأردن الانتقال من إدارة الملفات إلى إدارة الثقة، خصوصًا اقتصاديًا وإعلاميًا، قبل دخول الربع الثاني من العام، مع خطاب أوضح وتواصل اقتصادي أكثر حساسية، لأن الاستقرار لم يعد رفاهية، بل فعل يومي يحتاج إلى وضوح وصراحة وفعالية لتجنب كلفة أعلى للصمت المستمر.
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير