جفرا نيوز -
البرفسور عبد الله سرور الزعبي
مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية
في لحظات التحوّل الكبرى، لا تسقط المجتمعات دفعة واحدة، ولا تنهار الدول لحظة رفع آخر علم أو عبور أول دبابة. السقوط الحقيقي غالبًا ما يسبق كل ذلك بزمن طويل، حين يُهزم العقل الجمعي بصمت، ويُعاد تشكيل وعيه على نحو يجعله يتصالح مع الخوف، ويعتاد الصمت، ويُعيد تعريف النجاة بوصفها شأنًا فرديًا لا مشروعًا جماعيًا.
الخوف ليس حالة طارئة، ولا انفعالًا عابرًا، بل تقنية قديمة، وأداة ضبط اجتماعي صقلتها الإمبراطوريات، وتوارثتها الشعوب، وأتقنها محترفو السيطرة على العقول. لا يُفرض الخوف دائمًا بالسلاح، بل يُزرَع ببطء، ويُسقى بالشك، ويكبر في العتمة حتى يصبح جزءًا من وعي المجتمع، بل من تعريفه لذاته.
أخطر أشكال الخوف هو ذاك الذي لا يُعرَف مصدره. حين لا يعرف الناس لماذا يخافون، يتحول الخوف من رد فعل إلى نمط حياة. هنا لا يعود مرتبطًا بحدث، بل بحالة عامة من الترقّب والقلق الدائم. هانا آرندت رأت، في تحليلها "أن الخوف الحقيقي لا ينبع من القمع الظاهر، بل من الغموض، ومن كسر العلاقة بين السبب والنتيجة، ومن العجز عن التنبؤ".
العقل البشري قابل للبرمجة، وهذه حقيقة تاريخية لا فلسفية فقط. من الطقوس الدينية في الحضارات القديمة، إلى الدعاية النازية، وصولًا إلى "صناعة الرأي العام" الحديثة، كان الهدف واحدًا، إعادة تعريف الواقع. غوستاف لوبون أوضح في سيكولوجية الجماهير أن الجماعة تفقد عقلانيتها حين تُغذّى بالصور والانطباعات بدل الحقائق (اليوم الخطر اشد مع تطبيقات الذكاء الاصطناعي). الخوف هنا لا يُشرح، ولا يُقال للناس "خافوا"، بل يُترَكون ليستنتجوا أن الخوف هو الخيار العقلاني الوحيد.
الصمت، في هذا السياق، ليس غياب الكلام، بل حضور الخوف. حين يسود الصمت في مجتمع ما، فهذا يعني أن الخوف انتقل من خارجه إلى داخله. ميشيل فوكو رأى أن السلطة الأذكى لا تُكثر من العقاب، بل تجعل الفرد يراقب نفسه بنفسه. الصمت هنا ليس حياداً، بل نتيجة إدراك جمعي بأن الكلام مكلف، وأن النجاة فردية لا جماعية. في هذه المرحلة، لا تحتاج الدولة إلى مراقبة الجميع، لأن الجميع يراقب نفسه بنفسه، وهنا تكون السلطة (حسب فوكو)، قد ربحت أخطر معاركها دون إعلان حرب.
لكن التاريخ يكشف مفارقة مؤلمة، أكثر من رفعوا شعارات الخلاص، وعلوا أصواتهم، كانوا في العمق مرعوبين. نيتشه كان حادًا حين قال إن أعلى الأصوات غالباً ما تخفي أعمق المخاوف. الخطابة المفرطة كثيرًا ما تكون قناعاً للهشاشة، ومن لا يملك قوة داخلية يصنع بطولة لغوية تتبخر عند أول اختبار.
في تجارب عربية معاصرة، تحولت قيادات مجتمعية رفعت صوتها تطالب بالتغيير إلى أدوات إدارة للركود، لا بل أصبحت أصوات تبرير. لا لأنها أُجبرت بالضرورة، بل لأنها لم تكن مستعدة لدفع ثمن المشروع الذي ادّعت انها تمثله. عند أول كلفة شخصية، تراجعت، أو ساومت، او قبضت الثمن فانقلبت على ما كانت تنادي فيه. لم يكن ذلك دومًا فساداً، بل هزيمة نفسية تكوينية مسبقة، او انها كانت على قناعة بانها تعاني من حالة عجز في القدرة والكفاءة للوصول الى مواقع متقدمة في مجتمع ما يسمى بمجتمع النخب، فرفعت صوتها، لكي يتم مساومتها، والكثير وصل للهدف. ليتكشف بعدها بانها مصابة بمرض التملق واتقان فن التبرير القاتل.
الخطر الأكبر لا يكمن في ضعف الأجهزة التنفيذية، بل في أن تُدار المؤسسات الفكرية (الجامعات، ومراكز البحث، والمنابر الثقافية، وغيرها) احياناً، بعقول مهزومة من الداخل. هنا تصبح الهزيمة معرفية وأخلاقية، عقول لا تثق بإمكان التغيير، ولا تؤمن بقدرة المجتمع على النهوض، وتتعامل مع الواقع لا بوصفه قابلًا للفهم، بل قدراً يجب التكيّف معه، وتسليك الحال اليومي.
غرامشي نبّه إلى أن الهيمنة لا تُمارَس بالقوة وحدها، بل عبر المثقفين حين يتحولون إلى حراس للركود بدل أن يكونوا محركات للوعي. عندها تُفرغ المؤسسات من روحها، ويُعاد تدوير الخطاب ذاته بلا معنى، ويُختزل التفكير في إدارة المخاطر والازمات، او الإدارة اليومية، لا في بناء الرؤى.
كثير من المؤسسات في الدول التي تعاني من مثل هذه الظاهرة، اعتمدت كسر الإيقاع كوسيلة للإدارة، قرارات غير متوقعة، وخطابات متناقضة، وتغييرات مفاجئة بلا تفسير. العقل الذي يعيش في ارتباك دائم لا يُنتج مشروعًا، بل يتكيّف مع الحد الأدنى. هنا يتحقق أخطر إنجاز في تفريغ وإسقاط العقول، قتل الطموح دون قمعه علناً.
وفي قلب هذا النموذج، تظهر دول لا تعيش انهيارًا ولا نهضة، بل حالة استقرار مُعلَّق. مؤسسات قائمة، وإدارة مستمرة، وخطاب يتقن لغة التوازن والاعتدال، لكن المؤسسات فيها، لا تُدار بوصفها مشروعًا جامعاً، بل بوصفها فنّ تجنّب الخسائر. لا تُصاغ القرارات من منطق الرؤية المستقبلية، بل من منطق تفادي الكلفة، ولا يُكافأ السؤال بوصفه ضرورة، بل يُصنَّف كإرباك غير مرغوب فيه. هنا لا يُقمع الصوت، بل يُحاصَر بالتحفّظ، ولا يُمنع التفكير، بل يُرهَق حتى يفقد جدواه. ويتحوّل الاستقرار من قيمة حية إلى ذريعة، ومن أداة حماية إلى سقف منخفض للطموح. في هذا المناخ، تُدار مؤسسات الدولة بعقلية الانتظار الطويل، حيث يُطلب من المجتمع أن يكون صبوراً أكثر من كونه شريكاً، وأن ينجو فردياً، بدل أن يتقدّم جماعيًا. ومع الوقت، تتآكل السياسة العامة إلى إدارة يومية بلا أفق، وتُفرَّغ المؤسسات من قدرتها على المبادرة، لا بفعل القمع، بل بفعل الخوف الناعم الذي يُعيد تعريف الحكمة باعتبارها صمتاً، والواقعية باعتبارها قبولاً دائماً بما هو قائم. هنا لا تسقط المؤسسات، لكنها تدخل منطقة الاستنزاف البطيء، فتصبح قائمة بلا اندفاع، ومستقرة بلا خيال، وآمنة على حساب قدرتها على التجدد، وهذا ما يرغب به بعض من يقودوها.
غير أن الاستقرار، في جوهره، ليس نقيض الحركة، بل شرطها. المشكلة لا تكمن في الاستقرار ذاته، بل في الطريقة التي يُدار بها. فالاستقرار الذي يتحوّل إلى خوف من المبادرة، أو إلى تبرير للجمود، يفقد وظيفته التاريخية. أما الاستقرار الذي يُعاد تعريفه كمساحة آمنة للتجريب، والمساءلة، واتخاذ القرار الصعب، فيتحوّل إلى منصة انطلاق لا إلى قيد. استعادة هذه الوظيفة تبدأ من إعادة الاعتبار للعقل القائد للمؤسسات، وتحرير المؤسسات الفكرية من عقلية الحذر المزمن، وتمكين النخب الصادقة، والقادرة على الربط بين المعرفة والفعل، وفتح المجال أمام نقاش عام لا يُدار بمنطق الطمأنة، بل بمنطق الفهم. حين يصبح الاستقرار ضماناً لحرية السؤال لا سبباً لإسكاته، وحين تُدار مؤسسات الدولة بثقة في قدرتها على التصحيح لا بخوف من الخطأ، يتحوّل التوازن من حالة دفاعية إلى قوة دفع. عندها فقط، لا يعود الاستقرار حالة انتظار طويلة، بل أرضية صلبة تُبنى فوقها السياسات، وتُختبر فيها الأفكار، ويُستعاد فيها الخيال العام بوصفه شرطاً من شروط التقدم، لا ترفًا مؤجلًا.
توينبي فسّر انهيار الحضارات بعجز نخبها عن تقديم استجابة مفهومة للتحديات. الغموض يولّد الخوف، والخوف يشلّ الاستجابة. ليست القوة في المدافع، بل في التحكم بالإدراك، ولا يكون الانتصار في احتلال الأرض، بل في إعادة تعريف الواقع داخل العقول.
الدول لا تنهار حين تُنهار حدودها، بل حين ينهار عقلها الجمعي. تصبح المؤسسات ظلالاً، والشعارات صدى بلا جسد. يبدأ الأمر بقلق غير مفسَّر، ثم اعتياد على الصمت، ثم إعادة تعريف النجاة بوصفها شأناً فردياً. عند هذه النقطة، يكون إسقاط العقل قد سبق أي تهديد خارجي مباشر.
الخوف ليس قدر المجتمعات، بل فخّها الأكبر. يُزرَع حين يُسمَح له، ويترسّخ حين لا يُسمّى، ويُكسَر حين يُفهم. الفلسفة، منذ سقراط حتى اليوم، لم تكن سوى تمرين طويل على نزع الخوف عبر الفهم، وعلى استعادة الشجاعة بوصفها فعل وعي لا اندفاع، وتهور.
الكثير من الشعوب، فهمت، ان استعادة الدولة لمؤسساتها، لا تبدأ من تغيير الوجوه، ولا من هندسة الشعارات، بل من تحرير العقل المؤسسي من الهزيمة الداخلية، وإعادة الثقة بقدرة المجتمع على الفهم والمساءلة والمبادرة. الدولة التي ينهض عقلها قد تتعثر، لكنها لا تموت. أما الدولة التي تُهزَم مؤسساتها نفسيًا ومعرفيًا، فتتأكل بلا ضجيج، حتى لو بقيت إنجازاتها تتصدر الاعلام، وخرائطها معلّقة على الجدران.
النجاة الحقيقية لا تبدأ بإدارة الخوف، بل بتفكيكه، ولا بإسكات الأسئلة، بل بإطلاقها. فالمجتمعات لا تسقط حين تُهزم سياسيًا، بل حين تخاف من التفكير بصوت عالٍ.