النسخة الكاملة

الوطن أكبر منهم

الأربعاء-2026-01-28 10:39 pm
جفرا نيوز -

ليس كل من رفع راية الوطن صادقًا،
وليس كل من أكثر الحديث عن الانتماء منتميًا،
فبعضهم اتخذ من الوطن ستارًا، ومن الوطنية مهنة، ومن الولاء مفتاح خزائن.

في هذا البلد، ثمة من يتقن الخطابة عن الخطر الداهم،
لكنه يعجز عن رؤية الخطر المقيم في مكتبه،
الخطر الذي يرتدي ربطة عنق،
ويوقّع قراراته بحبرٍ لا يراه الجائعون.

يتحدثون عن الصمود،
وأبناؤهم لا يعرفون معنى الطابور،
ولا طعم القلق،
ولا مرارة انتظار وظيفة لا تأتي.
يتحدثون عن التقشف،
وهم لا يحسنون العيش إلا في الوفرة،
ولا يفهمون الوطن إلا إذا جاءهم على هيئة امتياز.

الوطن عندهم شعار يُرفع عند الحاجة،
ويُطوى عند القسمة.
أما الوطن عند الناس،
فهو فواتير مؤجلة،
وأحلام مؤجلة،
وأعمار تُستهلك في الانتظار.

أكثر ما يوجع هذا البلد
ليس الفقر،
بل تزييف المعنى:
حين يصبح الفشل إنجازًا،
والتدوير إصلاحًا،
والتوريث استقرارًا.

يطلبون من الناس الصبر،
وقد صبروا حتى تآكل الصبر.
يطلبون منهم الثقة،
وقد أُنفقت الثقة حتى الإفلاس.
ثم إذا ارتفع الصوت قالوا: "اصمتوا، فالوطن في خطر”.

نعم، الوطن في خطر،
لكن ليس ممن يقفون على الأرصفة،
ولا ممن يحملون همّ الغد على أكتافهم،
الخطر ممن أداروا الظهر للعدالة
ثم تساءلوا: لماذا اختل الميزان؟

هذا البلد لا يحتاج مزيدًا من الخطب،
بل يحتاج شجاعة الاعتراف،
ولا يحتاج أناشيد جديدة،
بل يحتاج عدالة قديمة غائبة.

فالوطن لا يُحمى بالكلمات الثقيلة،
بل بالأفعال الثقيلة،
ولا يُصان بمن يتحدثون باسمه،
بل بمن يتألمون لأجله بصمت.

أما أولئك الذين جعلوا الوطن سلّمًا،
ثم استداروا ليعظوا من وصلوا قبله،
فسيكتشفون يومًا
أن التاريخ لا يحفظ الألقاب،
بل يسجل من أكل ومن جاع،
من خدم ومن تاجر،
ومن أحب الوطن، ومن استخدمه.
     يحيى الحموري
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير