النسخة الكاملة

من الياروت… تاريخ لا يُنسى وشواهد بين الأمس واليوم

الأربعاء-2026-01-28 06:34 pm
جفرا نيوز -
الدكتور نضال المجالي

هذا ليس مقالَ سِيَر، ولا محاولةً لإعادة سرد ما كُتب. هو شهادة شخصية، تُكتب حين يصبح التاريخ وجهاً نعرفه، وصوتاً سمعناه، وأشخاصاً عشنا بينهم والتقيناهم يوماً في الحياة. الإخوة عبدالسلام المجالي وعبدالوهاب المجالي وعبدالهادي المجالي ليسوا اسماء فكرةً مجرّدة، بل تجربة حيّة من بيت واحد، وأب وأم واحدين، خرجت منهما ثلاث شخصيات اختلفت في الطباع والأدوات، شكلت هوية يصعب مقارنتها ولكن كانوا جميعا لنماذج اتحدت في الجوهر.

حين ننظر في الذاكرة إليهم اليوم، لا نفعل ذلك بدافع الحنين فقط، بل بدافع المقارنة. فلا مجلس في الفكر والإنجاز والاختلاف أجلسه إلا كانوا هرم النقاش، فالتاريخ الذي صنعوه لا يزال حاضراً، لأن الاختلاف بين شخصيات الأمس وشخصيات اليوم ما زال قائماً، وربما صار أوضح.

عبدالسلام المجالي مثّل زمن القرار الهادئ، حين كانت الدولة تُدار بمسؤولية ثقيلة. لم يكن يبحث عن التصفيق، بل عن النتيجة، وكان حضوره يعكس مرحلة كان فيها الثقل في الفعل لا في الضجيج.

أما عبدالوهاب المجالي، فكان شاهداً من نوع آخر. رجل الكلمة التي لا تُجامل، والرأي الذي لا يطلب إذناً. في زمنٍ كانت فيه الأسئلة تُحسب، اختار أن يكتب وأن يقول، مؤمناً بأن المجتمعات التي تخاف من أفكارها تفقد قدرتها على التقدم. ترك أثراً لا يُقاس بعدد الصفحات، بل بجرأة الطرح وصدق الانتماء.

ويأتي عبدالهادي المجالي ممثلاً لمدرسة لم نشهد بعدها نموذج السياسي القريب من كل الناس. عرف البرلمان بيتاً للنقاش لا ساحةً للاستعراض، وامتلك قدرة نادرة على إدارة الاختلاف دون أن يحوّله إلى خصومة. من عرفه عن قرب، يعرف أن حضوره لم يكن شكلياً، بل نابعاً من فهم عميق لطبيعة المجتمع والدولة.

نعم، الكرك ومدن أردنية أنجبت غيرهم، وبيوتها أنبتت ثلاثيات أخرى، لكلٍ حكاية ومسار. لكنني أكتب عمّن أعرفهم، وعمّن عشت بينهم، وعمّن التقيت بهم يوماً، فصاروا جزءاً من ذاكرتي لا من الأرشيف. هؤلاء الإخوة شواهد على زمنٍ لا يُنسى، لأنهم لم يكونوا نسخاً متشابهة، بل اختلافاً صحياً داخل بيت واحد، ووحدةً صادقة في خدمة وطن واحد.
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير