جفرا نيوز -
بقلم: زيد أبو زيد
في أعياد الميلاد العادية، نحتفي بمرور الأعوام،
أمّا في ميلاد القادة الكبار، فنحتفي بما لا يمرّ… بما يرسخ، ويصمد، ويترك أثره في الوجدان قبل السجلات.
وفي ميلاد جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين، لا نقف عند تاريخٍ في الروزنامة، بل عند تجربة قيادةٍ امتزج فيها العقل بالقلب، والسياسة بالإنسان، والدولة بالناس. نقف أمام مسيرةٍ لم تُبنَ على الصدفة، بل على وعيٍ عميق بطبيعة الوطن، وثقل الجغرافيا، ومسؤولية التاريخ.
منذ اللحظة الأولى لتولّيه سلطاته الدستورية، أدرك جلالة الملك أنّ القيادة ليست امتيازًا، بل عبءٌ أخلاقيّ، وأنّ الحكم ليس إدارة يومية للأزمات، بل بناء طويل النفس للأمل. فاختطّ نهجًا قوامه الحكمة، والاتزان، ووضوح الرؤية، ليصبح الأردن في عهده صوت عقلٍ في زمن الضجيج، وملاذ توازن في إقليمٍ تعصف به الرياح.
لم تكن السياسة الخارجية الأردنية في عهد الملك عبد الله الثاني مجرّد اصطفافات، بل كانت رؤية إنسانية قبل أن تكون حسابات سياسية. رؤية تحترم الآخر دون أن تذوب فيه، وتدافع عن الحق دون صخب، وتؤمن بأن الكلمة الصادقة قد تكون أبلغ من أقسى أدوات القوة. ولهذا، حين كان الملك يتحدّث في المحافل الدولية، لم يكن العالم يصغي إلى زعيم دولة فحسب، بل إلى صوت ضمير يعرف كيف يضع الإنسان في صدارة المشهد.
خطابات جلالة الملك لم تُكتب لتُصفَّق لها القاعات، بل لتوقظ الأسئلة، وتُحرّك السكون، وتذكّر العالم بأن السلام ليس شعارًا، بل مسؤولية، وأن العدالة ليست خيارًا، بل شرط بقاء. كان حديثه عن الفقر، واللجوء، والأمن الغذائي، والتغير المناخي حديث من يشعر بأوجاع الآخرين وكأنها أوجاعه، لا من يراقبها من خلف زجاج السياسة البارد.
وعلى الأرض، بعيدًا عن المنصّات، ظلّ الملك قريبًا من شعبه، حاضرًا بينهم بوجهٍ يعرفهم ويعرفونه. زياراته الميدانية لم تكن استعراضًا، بل فعل طمأنينة، ورسالة مفادها أنّ القيادة الحقيقية تبدأ من الميدان، وأنّ نبض الشارع لا يُقاس بالتقارير، بل بالإنصات الصادق. هناك، بين الناس، كان الملك يلتقط التفاصيل الصغيرة التي تصنع الفارق الكبير.
وفي زمنٍ أثقلت فيه التحديات الاقتصادية كاهل الدول، واختُبرت فيه قدرة المجتمعات على الصبر، حافظ جلالة الملك على معادلة دقيقة: إصلاحٌ لا يهدم، وتحديثٌ لا يقتلع الجذور، وتطويرٌ يحمي الاستقرار ولا يغامر بالوطن. إصلاح يؤمن بالشباب طاقة المستقبل، وبالمرأة شريكة البناء، وبالمؤسسات حصن الدولة، وبالعدالة الاجتماعية ركيزة الثقة.
أما فلسطين، فليست في خطاب الملك ملفًا سياسيًا، بل قضية وجدان. موقفٌ ثابت لا يتبدّل، ووصاية هاشمية تُمارَس بمسؤولية التاريخ وأمانة المكان. دفاعٌ عن القدس لا يساوم، ووقوفٌ مع الحق الفلسطيني لا يعرف التعب، لأنّ القضايا العادلة لا تشيخ، ولأنّ من يحملها بصدق لا يتراجع.
ما يميّز جلالة الملك عبد الله الثاني ليس فقط حجم الإنجاز، بل روحه. تلك الروح التي جعلت من السياسة فعلًا أخلاقيًا، ومن الخطاب رسالة إنسانية، ومن القيادة نموذجًا يُحتذى في زمنٍ ندر فيه النموذج. لقد قدّم الملك صورة القائد الذي يعرف أنّ القوّة الحقيقية لا تُقاس بما تملكه الدولة من أدوات، بل بما تملكه من قيم.
في ميلاد القائد، نُدرك أنّ الأعوام لا تُقاس بعددها، بل بما تتركه في النفوس من أثر، وفي الأوطان من ثبات، وفي الشعوب من أمل.
وميلاد الملك عبد الله الثاني هو مناسبة وطنية صادقة لنقول: إنّ الأردن، بقيادته، ما زال واقفًا، متماسكًا، مؤمنًا بالمستقبل، مهما اشتدّت العواصف.
كل عام وجلالة الملك بخير،
وكل عام والأردن أقرب إلى الحلم،
وأثبت في الموقف،
وأصدق مع الإنسان.