النسخة الكاملة

رسالة الملك كوثيقة انتقال في العقيدة العسكرية

الجيش الذي قرأ المستقبل قبل أن يطرق بابه

الأحد-2026-01-25 04:00 pm
جفرا نيوز -

 عبد اللطيف الجمل


لم تكن رسالة جلالة الملك عبد الله الثاني إلى رئيس هيئة الأركان المشتركة توجيهًا إداريًا عابرًا، بل وثيقة انتقال عقائدي، نقلت الجيش العربي من زمن الحرب الكلاسيكية إلى فضاء الصراع المركّب، حيث تُقاس القوة بالذكاء والتكنولوجيا، لا بالعدد والكتلة.


الرسالة أقرت بوضوح أن البيئة الأمنية تغيّرت جذريًا، وحددت سقفًا زمنيًا ضاغطًا لإعادة الهيكلة، وأسقطت عمليًا منطق “الجيش الضخم” لصالح قوات رشيقة، نوعية، قادرة على العمل في بيئات هجينة. إنها رسالة جيش قرأ المستقبل قبل أن يطرق بابه.
وفي هذا السياق، جاء مؤتمر ومعرض كشف ومكافحة الطائرات المسيّرة (C-UAS) في عمّان كترجمة عملية لهذا الوعي. فالدرونز اليوم ليست تفصيلًا تقنيًا، بل سلاحًا منخفض الكلفة عالي الأثر، يكسر ميزان الردع التقليدي، ويهدد الجيوش التي ما تزال تفكّر بعقلية الدفاعات الثقيلة.


الأخطر في الرسالة الملكية هو التحول من منطق “الدفاع” إلى منطق “التفوّق”. الردع لم يعد كافيًا، والأمن لم يعد حماية حدود فقط، بل حماية مراكز ثقل استراتيجية عبر التفوق في ساحات محددة: السيبرانية، الأنظمة المسيّرة، والذكاء الاصطناعي.


كما أعادت الرسالة هندسة مفهوم القوة البشرية: احتياط فاعل، دمج تعبوي ذكي، ولوجستيات مرنة، وجندي يتحول من عنصر ضمن تشكيل إلى وحدة قرار داخل منظومة قتال ذكية.


أما الصناعات الدفاعية، فباتت عنوان السيادة. إعادة توجيه JODDB والحَوْكمة الصارمة لمؤسسات القوات المسلحة تربط الأمن الوطني بالاقتصاد الوطني، وتكسر التبعية التقنية.
الخلاصة أن ما يجري ليس تحديثًا لجيش، بل إعادة تعريف لمعناه:
من ردّ فعل إلى فعل استباقي،
ومن مؤسسة تقليدية إلى منظومة قتال ذكية،
ومن حماية الحدود إلى حماية الدولة بمفهومها الشامل.
إنها رسالة جيشٍ قرأ المستقبل… وقرّر أن يسبقه.

© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير