جفرا نيوز -
حمادة فراعنة
رحل صدام حسين وبقي العراق، ورحل قادة الأفكار والتيارات السياسية: الإسلامية والقومية واليسارية، وبقي الإسلام، والفكر القومي، وقيم الاشتراكية، وتوجهاتهم، ولكن هذا لا يعني أن الإنسان الفرد ليس له دور، أو عديم التأثير على تبني الفكرة ورسوها وترسيخها، وانتشارها.
هذا ما حصل مع الإسلام وسيدنا محمد بقول أبو بكر الصديق، « من كان يعبد محمدا فان محمدا قد مات، ومن يعبد الله، فالله حي لا يموت»، وهو ما كان.
رحل ماركس ولينين، وبقيت آثارهما راسخة، إلى يومنا هذا، رغم هزيمة الإتحاد السوفيتي والمعسكر الاشتراكي نتيجة الحرب الباردة.
ورحل قادة الفكر القومي، وبقي خيارهم الوحدوي سائداً راسخاً، مطروحاً بين مسامات العرب وتطلعاتهم.
رحل مؤسسو حزب البعث العربي الاشتراكي عندنا، وبقي ثابتاً مرخصاً، يخوض التنافس والانتشار شعبياً ونقابياً ومحاولات برلمانية.
رحل أكرم الحمصي وبقي تراثه، وما كان يسعى إليه، وما كان يمثله، مازال متواصلاً، يعيش حالة الحضور، والتميز والتمايز.
لم يكن أكرم الحمصي من الشخصيات البارزة في العلاقات العامة، فالتواضع، والاغراق الذاتي في التفاني، والانخراط الجدي في العمل من أجل بناء الحزب سواء في مرحلة الأحكام العرفية، أو في مرحلة الانفتاح، واستعادة شعبنا لحقوقه الدستورية بعد عام 1989، بعد تعطيل الحياة الدستورية بسبب حرب عدوان 1967، واحتلال الضفة الفلسطينية.
لم يكن أكرم الحمصي ودوداً معي، على خلفية اتهامات التطبيع وزيارة الكنيست التي لم تكن ولم تتم، مجرد إشاعة خبيثة مقصودة من خصوم، وحينما التقيته قلت له: سؤال جوهري وهو: إذا زار نائب أردني الكنيست الإسرائيلي ألا يشكل ذلك حدثاً إسرائيلياً يمكن إبرازه عبر صورة أو خبر إسرائيلي؟؟ وقلت له أتحدى وجود صورة أو خبر إسرائيلي عن زيارة الكنيست، فاللقاء الذي وقع في الزيارة المشتركة مع النائب محمد رأفت إلى فلسطين كان لقاء مقتصرا مع أعضاء البرلمان الفلسطينيين العرب: محمد بركة، صالح طريف، طلب الصانع، أحمد الطيبي، وتم ذلك لأول مرة، ولذلك وقع الخبر أن برلمانيين أردنيين التقوا مع أعضاء كنيست، وهكذا تم توضيح الصورة وتظهير الواقعة على حقيقتها النقية، أمام شخصية وطنية قومية، أمام أكرم الحمصي.
وانتقل من موقع الاعتراض والتردد، إلى موقع التقدير، خاصة أن حزب البعث العربي الاشتراكي مع الأحزاب اليسارية والقومية الأردنية: الحزب الشيوعي، حشد، حزب الوحدة، حزب البعث التقدمي، قد صدرت بداية ترخيصها في بيتي، حينما استضفت قادة الأحزاب الخمسة في بيتي في شهر تشرين الثاني 1991، مع رئيس الحكومة الشريف زيد بن شاكر، وبصحبته الوزراء ذوقان الهنداوي وعلي سحيمات وإبراهيم عز الدين، ووقع اللقاء الثاني المماثل في منزل الوزير علي سحيمات في شهر كانون أول 1991، ليتوج اللقاء في رئاسة الحكومة وصدور القرار السياسي لترخيص الأحزاب الخمسة يوم 8/1/1992، وهذا قوة العلاقة ومتانتها بيني وبين الراحل أكرم الحمصي من موقع عدم الارتياح، إلى مكانة المودة والاحترام، وكان يقول لي: « أنت رفيق حتى لو لم تكن بعثياً».
رحل أكرم الحمصي بإمكاناته المتواضعة، وغنى تضحياته وبسالته وتفانيه، ولهذا ستبقى ذكراه خالدة، كما يستحق رجل وفي، وحزبي كفؤ، وتفانٍ لا يُنافس، له الرحمة والمغفرة والخلود مع قادة شعبنا الكبار، لأنه كان كبيراً، وستبقى ذكراه وآثاره كذلك.