أوراق جلالة الملك والتحوّل الديمقراطي
الثلاثاء-2013-01-22 11:41 am
جفرا نيوز -
جفرا نيوز - المحامي الدكتور فراس عبدالكريم الملاحمة
في مقالتي حول الورقة الأولى لجلالة الملك، قلت بأنّ "المواطن" هو مفتاح الإصلاح المنشود في وطننا، وأنّ هذا الإصلاح، والجدية في المطالبة به وتحقيقه هو رهينة العملية الإنتخابية القادمة ومفرزاتها. وقلت أيضاً بأن مسيرة الإصلاح في الأردن مستمرة، وأنّ ما تم تحقيقه حتى الآن لا يعدو عن كونه لبنةً من لبناته التي من الواجب البناء عليها بتكاثف جهود الجميع. كما وأضيف، بأنّه ليس صحيحاً ما يقال من أنّ تتويج مسيرة الإصلاح يتمثل في إجراء الإنتخابات النيابية.
جلالة الملك، ومن خلال ورقته النقاشية الثانية، قد أرسى دعائم الديمقراطية الحقّة؛ قانوناً وممارسةً. فالديمقراطية أساسها الدستور كقانون أساسي تتمتع قواعده وأحكامه بالعلو، والتربّع على قمة الهرم التشريعي، والأولوية في التطبيق، وأنّ ما يناقضها مصيره حتماً البطلان. والديمقراطية أيضاً ممارسة، لكن ممارستها لا يقتصر على جهة معينة دون الأخرى بل من المواطن والدولة على حدٍ سواء. ولا شك بأنّ الممارسة غالباً محكومةٌ بالقانون، ويجب أن تكون ضمن ما يرسمه من حدود، الأمر الذي يعني بأن القانون والممارسة أمران متلازمان للتحول الديمقراطي وصولاً إلى تحقيق الأفضل. ولكن، حتى يكون هذا التحول إيجابياً، فإنه لن يكون وليد لحظةٍ، بل لابد له من أن يكون نتاجاً لتطور مستمر، ولتجارب متراكمة حتى نتمكن من الإستفادة منها والبناء على نتائجها.
بالمقابل، علينا أن ندرك بأنّ لكل مجتمع طبيعته وخصائصه التي تميّزه عن غيره؛ فما يتلائم مع مجتمعاتٍ في دولٍ ما، قد لا يتلائم ومجتمعنا. وهذا الإختلاف بين المجتمعات له أسباب عدة منها إختلاف التكوين، والثقافة، والتاريخ، وأحياناً المحيط أي الموقع بين الدول وظروفه، وأحياناً أخرى الدور المنوط بالدولة تجاه قضايا الأمة العادلة. مع ذلك، فإننا نتفق جميعاً بأنّ التحول الديمقراطي مطلبٌ شرعيٌ، وأنّ أساسه يتمثل بتشكيل حكوماتٍ برلمانيةٍ من مجلسٍ نيابيٍ منتخبٍ من الشعب؛ مصدر السلطات. ولكن، هل نحن مستعدون لذلك؟ ما هو مستوى إيمان المواطن بالأحزاب وبالعمل الحزبي؟ هل نملك أحزاباً قائمة على البرامجية السياسية والإقتصادية والإجتماعية؟ بمعنى آخر، أين نحن الآن من التعددية السياسية المنشودة؟ أين نحن من النضج السياسي للأحزاب؟ أين المعارضة البنّاءة الهادفة إلى حماية الوطن؟ أين نحن من أحزاب المعارضة التي ستمارس دورها كحكومات ظل؟ هل مطلوبٌ منا سن تشريعات تخدم فئة معينة دون باقي فئات المجتمع مخالفين بذلك كحدٍ أدنى إحدى خصائص القاعدة القانونية وهي العمومية والتجريد؟ ما هي نظرتنا الحالية إلى النائب وإلى دوره المنوط به دستوراً؟ هل هو نائب خدمات أم مراقب ومشرّع؟ ما هي نظرة النائب إلى دوره سواء من تحت القبة أو كأحد أعضاء الفريق الوزاري في الحكومة البرلمانية أو المنبثقة عن البرلمان؟
فالتشريعات وحدها لا تكفي لتقودنا إلى التحول الديمقراطي المنشود. والممارسة أيضاً لا تكفي وحدها لذلك إن لم يدعمها تشريعات؛ فالقانون (كإطار وغطاءٍ) والممارسة (كأداةٍ ووسيلةٍ) أمران متلازمان لهذا التحول، وحتى يكون أيضاً تحولاً صحيحاً ومبنيّاً على دعائم ثابتةٍ وقوية. وإنّ التطوير في القوانين أيضاً ضرورة لأنه يجب أن يتم تطوير وتعديل القوانين بما يتوافق وحاجات المجتمع ومتطلباته وسلوكياته والتطور الذي يشهده، الأمر الذي سينعكس بالمقابل على الممارسات؛ ممارسات المواطن الموظف والنائب والوزير ومن أي موقع كان وبغض النظر عن صفته، وممارسات الدولة بكافة أجهزتها ومؤسساتها. وإلى جانب ذلك كله، علينا أن لا نغفل دور المواطن الأردني الواعي والمثقف بما ينعكس إيجاباً على مصلحة الوطن.
إذاً، التحوّل الديمقراطي لا يقتصر على جهة محددة بعينها، ولا يقف عند حدٍ معينٍ، ولا يأتي جملةً واحدة، ولا يتبلور فقط في سنّ عدد من التشريعات، بل في التطور المستمر للقوانين وللنهج الذي يحكم الممارسات. والتحول أيضاً يجب أن يكون من خلال التعلّم والتجارب المتراكمة. وليكن نظام الصوت الواحد تجربة، ونظام القائمة الوطنية تجربةً أخرى؛ فنظام الصوت الواحد غير متفقٍ عليه من قبل العديد لأسباب منها ما يتعلق بمفرزات العملية الإنتخابية. ونظام القائمة الوطنية خرج عن مساره المطلوب الذي شُرّع من أجله الأمر الذي سيدعونا مستقبلاً إلى التفكير مرة أخرى بآليتها وعدد مقاعدها ومسألة حصرها على الأحزاب أم لا، ولكن هذه الأمور أضحت بالنسبة لنا تجارب، وكلٌ منا قد توصل إلى نتيجة بخصوصها؛ الأمر الذي سيقودنا إلى الإستفادة من هذه النتيجة والبناء عليها مستقبلاً.
فالمواطن الأردني هو مفتاح الإصلاح والتحول الديمقراطي، وعليه بدوره أن يساهم في دفع عجلة المسيرة وصناعة المستقبل بأن يتوجه إلى صناديق الإقتراع للإدلاء بصوته بكل أمانةٍ ومسؤوليةٍ ووطنيةٍ لمن يرى فيه الكفاءة والقدرة على تمثيله، ولمن سيُكمل المسيرة من تحت القبة وصولاً إلى الإصلاح والتحول الديمقراطي المنشودين القائمين على أسس ثابتةٍ ومتينةٍ بما يخدم المصلحة العامة.