النسخة الكاملة

الملك الذي يسبق الخطر… والجيش الذي يفهم الرسالة

السبت-2026-01-24 10:33 pm
جفرا نيوز -

رامي رحاب العزّة يكتب

ليست كل الرسائل القيادية بحاجة إلى ضجيج كي تُفهم، فبعضها يُكتب ليُقرأ بعين الدولة، لا بعين الحدث. وحين تأتي الإشارة من رأس الهرم، فإن معناها يتجاوز التوجيه، ليصل إلى ما يشبه إعادة ضبط البوصلة قبل أن ينحرف المسار.

عندما يتحدث جلالة الملك عن هيكلة الجيش، فالقضية لا تتعلق بإجراء إداري أو تعديل تنظيمي، بل برؤية دولة تعرف أن الزمن لا ينتظر أحدًا، وأن التحديات القادمة لا تشبه تلك التي واجهناها بالأمس.

بعد نظر القيادة هنا لا ينطلق من سؤال: ماذا نملك؟
بل من سؤال أعمق: كيف سيتغيّر المشهد؟

وهذا ما قد لا يكون حاضرًا في ذهن قائدٍ منشغل بتفاصيل الميدان اليومية، لكنه دائم الحضور في عقل قائدٍ أعلى يرى الدولة كمنظومة واحدة، أمنها، واقتصادها، واستقرارها، ومستقبلها.

الهيكلة التي يُراد لها أن تتطور ليست إعادة ترتيب للملفات، بل إعادة ترتيب للفكر العسكري ذاته؛ فالعصر الحديث لا يكافئ الثبات الجامد، بل الثبات الذكي، ولا يحمي الدول من يتحرك متأخرًا، بل من يستعد بهدوء.

وفي هذا السياق، يبرز إدراك القيادة العليا أن التكنولوجيا العسكرية لم تعد عنصرًا داعمًا، بل أصبحت جزءًا من جوهر القوة. فالحروب الحديثة لا تُدار فقط بالسلاح التقليدي، بل بالمعلومة، والاتصال، والقدرة على الرصد، والتحليل، واتخاذ القرار في الزمن الحقيقي. ومن هنا، فإن التطوير التكنولوجي الذي يجري التعامل معه بعقلانية وهدوء، ليس ترفًا، بل ضرورة لحماية الجندي، ورفع كفاءة الوحدات، وتعزيز دقة الأداء، دون الإخلال بالعقيدة العسكرية أو الانجرار وراء استعراضات فارغة.

وفي قلب هذا التطوير، يبرز الأمن السيبراني كأحد أخطر ميادين الصراع المعاصر. فالتهديدات اليوم قد لا تأتي من الحدود، بل من اختراق منظومات القيادة والسيطرة، أو العبث بشبكات الاتصال، أو استهداف البنية الرقمية التي تقوم عليها الجاهزية العسكرية. وهنا يتجلى بعد نظر القيادة الملكية التي تدرك أن حماية الوطن لم تعد تقتصر على الأرض والسماء، بل تمتد إلى الفضاء الرقمي، حيث تُخاض معارك صامتة لا تقل خطورة عن أي مواجهة تقليدية.

الاستثمار في الأمن السيبراني، وبناء قدرات وطنية قادرة على الرصد والوقاية والاستجابة، لم يعد خيارًا تقنيًا، بل قرارًا سياديًا لحماية القرار العسكري نفسه، وضمان استمرارية الدولة في بيئة دولية معقّدة وسريعة التغيّر.

في عمق هذه الرؤية، يبقى الإنسان العسكري هو الأساس. فالتكنولوجيا، مهما بلغت، لا قيمة لها إن لم تُدار بعقل منضبط، وقرار حكيم، وضمير وطني. السلاح يمكن تحديثه، والأنظمة يمكن اقتناؤها، لكن القائد والجندي هما من يمنحانها معناها الحقيقي.

وفي هذا الإطار، تتجلى أهمية القيادة العسكرية التي تفهم التوازن الدقيق بين التطوير والحفاظ على الهوية. فالفريق أول الركن يوسف أحمد الحنيطي، رئيس هيئة الأركان المشتركة، يمثّل نموذج القائد القادر على استيعاب التحولات التكنولوجية والأمنية دون أن يسمح لها بأن تطغى على روح الجيش العربي أو تضعف منظومته القيمية، بل يوظفها لتعزيز الجاهزية، وحماية القرار، ورفع الكفاءة الميدانية.

الثقة هنا لم تكن مجاملة، بل قراءة دقيقة لقدرة القيادة العسكرية على التنفيذ دون ضجيج، وعلى الإنجاز دون استعراض، وعلى بناء جيش حديث في أدواته، ثابت في مبادئه.

الرسالة لم تُعلن خطرًا، لكنها منعت وقوعه.
لم تُلوّح بأزمة، لكنها أغلقت أبوابها مبكرًا.
لم ترفع الصوت، لكنها رفعت الجاهزية.

الخاتمة
هكذا تُدار الدول التي تعرف وزنها، وتفهم محيطها، وتستثمر في عقولها قبل معداتها.
ملكٌ يفكّر أبعد من اللحظة، ويقرأ المستقبل بهدوء، وقائد جيشٍ يدرك أن أعظم التطوير هو ذاك الذي يحمي الدولة دون أن يغيّر ملامحها.

في هذا التلاقي بين عمق الرؤية الملكية وقدرة التنفيذ العسكري، يبقى الأردن محميًا لا بالقوة وحدها، بل بعقل يسبق الخطر، وتكنولوجيا تُدار بحكمة، وقيادة لا تنتظر المفاجآت.
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير