جفرا نيوز -
البرفسور عبد الله سرور الزعبي
مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية
في قلب جبال الألب السويسرية، حيث اعتاد العالم أن يلتقي تحت مظلة الاقتصاد والعولمة وتبادل المصالح، انعقد مؤتمر دافوس 2026 مختلفًا على نحو غير مسبوق. لم يكن هذا العام مجرد ملتقى للنخبة المالية وصنّاع القرار، بل بدا أقرب إلى جلسة اعتراف جماعي بانهيار منظومة كاملة، وانكشاف أوهامٍ حكمت العالم منذ نهاية الحرب الباردة.
ما كُشف في دافوس لم يكن اقتصاديًا بحتًا، بل سياسيًا، ونفسيًا، وفلسفيًا في جوهره. انتقلت النقاشات من لغة الأسواق إلى منطق القوة، ومن مفردات الشراكة إلى حسابات الإكراه، ومن الطمأنينة إلى القلق الوجودي. بدا العالم وكأنه يدخل مرحلة جديدة بلا أقنعة، حيث لم تعد القيم كافية لضبط الصراع، ولا التحالفات ثابتة بما يكفي لحماية أصحابها.
الخطير في هذا التحول أنه لم يصدر عن دول ناقمة على النظام الدولي، بل جاء من قلب المعسكر الغربي نفسه. رئيس وزراء كندا، مارك كارني، ومن منصة أُنشئت يومًا لتكريس العولمة، لا لدفنها، قال بوضوح لا يحتمل التأويل "العالم الذي نعرفه قد انتهى، والدول التي لا تستطيع حماية نفسها أو إطعام شعبها ستكون فريسة للقوى الكبرى".
لم يكن هذا التصريح زلّة لسان أو خطابًا انتخابيًا، بل تشخيصًا داخليًا لانكسار عميق في البنية النفسية والفلسفية للغرب. فالأزمة لم تعد في تراجع النفوذ فقط، بل في تآكل الإيمان الذاتي، وهو أخطر أنواع الانهيار، كما وصفه شبنغلر في أفول الغرب، حين ربط سقوط الحضارات بفقدان المعنى قبل فقدان القوة.
من هنا، لم يعد دافوس منتدى نقاش، بل فتح الطريق للنظام العالمي القادم، حيث تتقدّم القوة على القيم، والاقتصاد كسلاح، والممرات البحرية كمفاتيح سيادة، بينما تُعاد صياغة أدوار الدول الكبيرة والمتوسطة والصغيرة على حد سواء.
أوروبا، مهد العقل الغربي والفلسفة الحديثة، تعيش اليوم أزمة يقين حضاري غير مسبوقة. ليست المشكلة في نقص الموارد أو غياب المؤسسات، بل في فقدان البوصلة. منذ هيغل ونيتشه، مرورًا بفرويد وهابرماس، كان السؤال الأوروبي يتمحور حول العلاقة بين العقل والقوة، بين القيم والسلطة. لكن هذا السؤال عاد اليوم بقسوة أكبر، دون إجابة واضحة.
نيتشه حذّر مبكرًا من انهيار القيم المطلقة، وقال عبارته الشهيرة "من لديه لماذا يعيش، يمكنه تحمّل أي كيف"، وأوروبا اليوم فقدت لماذا، فباتت عاجزة عن تحمّل الكيف.
فرويد تحدّث عن عقدة ما بعد الإمبراطورية، وأوروبا تعرف كل شيء عن الحرية، لكنها عاجزة عن حماية نفسها، تؤمن بالقانون الدولي، لكنها لا تملك القوة لفرضه. أما هابرماس، فقد نبّه إلى أزمة الديمقراطية الليبرالية وفقدان الإجماع الاجتماعي، وهو ما يفسر التردد الأوروبي المزمن.
اقتصاديًا، ورغم أن الناتج المحلي الإجمالي الأوروبي يقترب من 20 تريليون دولار، إلا أن النمو لا يتجاوز 1.5%، والدين العام في المتوسط يتجاوز 85% من الناتج، وأزمة الطاقة تضرب العمق الصناعي.
هذه الضغوط الاقتصادية غذّت صعود الشعبوية، التي وصلت في بعض الدول إلى 20–30% من القاعدة الانتخابية، هذه ليست أرقامًا معزولة، بل انعكاس نفسي لفقدان البوصلة الحضارية.
خلف الخطاب الأوروبي الموحد، تعيش كل دولة كبرى أزمتها الخاصة، وتُسقطها على العالم.
فرنسا، بقيادة ماكرون، تتحدث عن السيادة الأوروبية والاستقلال الاستراتيجي، لكن خطابها يعكس خوفًا أكثر مما يعكس ثقة. دين عام يقترب من 112%، احتجاجات داخلية، وانتخابات مقبلة، وتراجع النفوذ في أفريقيا. باريس تفكر بعقل ديغول، لكنها تتحرك في عالم لا يعترف بالرمزية وحدها.
ألمانيا، القوة الصناعية الكبرى، تعيش صدمة فقدان الغاز الروسي الرخيص، وتباطؤًا صناعيًا، وصعود اليمين في الشرق، يعكس قلقًا اجتماعيًا عميقًا. ألمانيا دولة تخاف من تاريخها أكثر مما تخاف من مستقبلها، فتُشلّ قراراتها.
بريطانيا خرجت من الاتحاد الأوروبي، لكنها لم تجد لنفسها موقعًا بديلًا. حرة نظريًا، لكنها مكشوفة عمليًا، تعاني من أزمة هوية سياسية واقتصاد بطيء النمو.
إيطاليا، بدين عام يتجاوز 140%، تلجأ إلى الشعبوية كآلية دفاع نفسي، محاولة تبسيط عالم معقد وإلقاء اللوم على الخارج.
أما بلجيكا، مقر الاتحاد، فهي المفارقة الصادمة، مركز قرار بلا قرار.
كما وصف باومان، هذه هي الحداثة السائلة، بلا يقين، وبلا ثوابت، وبلا استعداد لعالم خشن لا يعترف بالأخلاق المجردة.
خطاب مارك كارني لم يكن مفاجئًا. كندا اختبرت مبكرًا تحوّل الحماية الأميركية من التزام استراتيجي إلى سلعة سياسية. من أزمة اعتقال منغ وانزو، إلى الضغوط الاقتصادية الأميركية، اكتشفت أوتاوا أن أقرب الحلفاء قد يكون الأخطر.
العلاقة التجارية الكندية الأميركية، الأكبر عالميًا (أكثر من 1.3 تريليون دولار سنويًا)، لم تمنع واشنطن من ممارسة الابتزاز السياسي. هنا وُلدت لحظة الوعي القاسي، على طريقة نيتشه، سقوط الأوهام الكبرى.
الولايات المتحدة الترامبية أعادت تعريف السياسة الخارجية بلغة القوة لا التحالف. غرينلاند، والناتو، وكندا، كلها شواهد على فلسفة ترى الموارد أهم من الشرعية، والحلفاء أدوات مؤقتة. أميركا اليوم قوة عظمى، لكنها بلا شبكة أمان حقيقية مع الحلفاء.
السياسة الأميركية الجديدة تقوم على إخضاع الحلفاء عبر الاقتصاد، وإفراغ الناتو من روحه قبل إضعافه عسكريًا.
اليوم الولايات المتحدة لم تعود تقود النظام الدولي، بل تساوم عليه، وتحوّلت من ضامن للتوازن، إلى مصدر قلق، ومفكك للحلفاء. ما عجزت روسيا والصين عن تحقيقه لعقود في تفكيك الثقة داخل المعسكر الغربي، أنجزته واشنطن بنفسها في سنة.
والسؤال اليوم، هل ما تفعله أميركا اليوم هو انتحار جيوسياسي بطيء؟
بينما ينشغل الغرب بالخطابات، تمضي الصين في البناء. اقتصاد يقارب 19 تريليون دولار، واستثمارات خارجية تفوق 300 مليار دولار، وسيطرة هادئة على الموانئ والممرات. من اليونان، إلى الموانئ الإيطالية والبلجيكية، إلى القطب من خلال اتفاق الشراكة الاستراتيجية مع كندا، تبني بكين إمبراطورية الممرات. هذا يمثل ضربة استراتيجية هادئة للمخططات الأميركية في غرينلاند والقطب الشمالي. هكذا تُدار الإمبراطوريات الحديثة، بلا ضجيج، وبكلفة أقل.
في الشرق الأوسط، تستحوذ الصين على خطوط الشحن وموانئ بحر العرب والبحر الأحمر يسمح لها بالتأثير على أسعار الطاقة وحركة التجارة الدولية. وكما قال ماهان "من يملك الممر، يملك القرار".
الصين لا تعلن الهيمنة، لكنها ترفع كلفة أي مواجهة محتملة، عبر تطويق اقتصادي عالمي يجعل التدخل الدولي مكلفًا.
السؤال لم يعد، هل ستواجه الصين؟ بل، هل تخوض حربًا عالمية دون رصاصة واحدة؟
روسيا تتحرك ببراغماتية باردة. لا تبحث عن نظام بديل، بل عن عالم بلا نظام. تستثمر في التناقضات الغربية، تلعب على خطوط الطاقة، وتكمل الصين، بكين تمسك التجارة، وموسكو تمسك الفوضى.
بوتين يحرك موسكو للانخراط في مجلس السلام العالمي، وتقديم مليار دولار من الأموال المجمدة، ليكسب حضورًا دوليًا مشروعًا، ويحتفظ بحرية المناورة، واستغلال الانقسامات الغربية لتعزيز النفوذ الروسي في أوروبا الشرقية والشرق الأوسط. حديثها عن مجلس السلام العالمي، ليس بحثًا عن سلام، بل، محاولة لتقويض الشرعية الغربية، وتفكيك مركزية الأمم المتحدة، وبناء شرعية بديلة لمنطق مناطق النفوذ.
من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، تتحرك روسيا كقوة تعرف أن الزمن لا ينتظر المترددين. الغزل الدبلوماسي مع واشنطن، والانتقام الهادئ من النظام الغربي، هما وجهان لاستراتيجية واحدة. بوتين، لا يرى النظام بوصفه قيمة، بل قيدًا.
السؤال اليوم، هل تسعى روسيا لنظام بديل، أم لعالم بلا نظام؟
الشرق الأوسط اليوم يقف على حافة الانفجار الاستراتيجي، حيث تتشابك القوى الإقليمية والدولية في لعبة تصعيد متبادل، واللاعب الرئيس في هذا المشهد هو إيران، التي تحوّل قدراتها العسكرية والسياسية إلى أداة ضغط مستمرة على الجميع، مع ردود أفعال دولية متباينة.
إيران تمتلك أكبر مخزون صواريخ بالستية في الشرق الأوسط، وتستخدم التجييش الإعلامي والعقائدي والسياسي لتثبيت النفوذ في العراق، ولبنان، وسوريا، واليمن، وتحويل المجموعات المحلية إلى أدوات استراتيجية، وتجعل المنطقة على حافة انفجار دائم.
المنطقة لم تعد نزاعًا محليًا، بل ممرًا وجائزة. غزة، والبحر الأحمر، وباب المندب، ومضيق الخليج، كلها حلقات في حرب الممرات العالمية.
المأساة أن المنطقة التي علّمت العالم الجغرافيا السياسية، تُدار اليوم بلا استراتيجية، وتُستدعى القوى الخارجية لحسم صراعاتها بدل تحويل موقعها إلى مصدر قوة.
وسط هذا المشهد، يبرز الأردن كاستثناء. دولة صغيرة، لكنها تفهم الجغرافيا وتوازن دون أوهام. تحالفات مرنة، وتماسك داخلي، ودور وسطي يمنحه قيمة استراتيجية.
الأردن اليوم يمثل دولة المعنى في زمن الجنون الجيوسياسي، بين قوى عالمية تتصارع، وهو مثال على الدولة التي توازن بين القوة، والمرونة، في زمن تحولات عالمية عميقة، والاعتدال لضمان البقاء والاستقرار في قلب العاصفة. كما ويمثل خط الدفاع الأول ضد انفلات النظام العالمي الجديد على العرب والمنطقة.
لكن المرحلة المقبلة أخطر مما يمكن تتخيلها، الاقتصاد العالمي يتشقق، والتحالفات تتآكل، والحياد سيصبح تهمة.
قوة الأردن ليست في المواجهة، بل في ضبط الإيقاع. لكن مع مرحلة الخطر القادمة، حيث الاقتصاد العالمي يتشقق، والتحالفات تتآكل. النجاة الأردنية تمر عبر الثقة بالقيادة، والوصول الى الأمن الغذائي، وتنويع الشراكات، وحماية النسيج الاجتماعي من الاختراق، واصلاح التعليم ليكون الاستثمار الأفضل في الإنسان، والاستعداد لعالم لا يرحم الضعفاء، فالدول التي لا تستعد تُستَخدم.
الأمة التي لا تعرف موقعها في التاريخ، لا تعرف مصيرها، والأردن، يعرف موقعه جيدًا.
دافوس 2026 لم يكن نهاية مرحلة، بل بداية زمن جديد، زمن القوة بلا أقنعة. أوروبا قلقة ومنهكة، وأميركا الضاغطة، والصين صامتة، وروسيا براغماتية، والشرق الأوسط محتقن، والأردن نقطة توازن.
السؤال الأخير ليس من الأقوى، بل، من الأكثر استعدادًا حين يسقط القناع الأخير، وتنهار القواعد العالمية؟