النسخة الكاملة

الأزمة الفلسطينية الصامتة

الخميس-2026-01-22 10:09 am
جفرا نيوز -
علي ابو حبلة

تشهد الساحة الفلسطينية تحولات مقلقة في البنية الاقتصادية والاجتماعية والخدماتية، وسط ارتفاع متزايد في معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للمواطن، وارتفاع أسعار السلع الأساسية وتعدد الرسوم والضرائب المباشرة وغير المباشرة؛ ما أدى إلى إرهاق الفئات محدودة الدخل وانكماش الطبقة الوسطى التي تشكل تاريخياً عنصر توازن واستقرار في المجتمع الفلسطيني. وقد انعكس هذا التدهور على مجمل مناحي الحياة، محدثاً آثاراً مركبة على الأمن الاقتصادي والاجتماعي.

وفي إطار متصل، شهد القطاع التعليمي تراجعاً ملحوظاً في انتظام العملية التعليمية وتقليصاً للدوام نتيجة عدم انتظام دفع الرواتب ، الأمر الذي أدى إلى زيادة حالات التسيب بين الطلبة وتراجع مستويات التحصيل والتأهيل. ويعد هذا التطور بالغ الحساسية، بالنظر إلى ما يمثله التعليم من ركيزة أساسية في بناء رأس المال البشري وتعزيز فرص التنمية والصمود. كما يطرح هذا الواقع تحديات إضافية محورها ضمان المساواة في الوصول إلى التعليم، وجودته، وشفافيته، بما يتوافق مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان وحق الطفل في التعليم.

وعلى الصعيد الصحي، تواجه المؤسسات الصحية الفلسطينية ضغوطاً واضحة بفعل نقص الموارد المالية والبشرية واللوجستية، في ظل زيادة الطلب على الخدمات الصحية واضراب الاطباء نتيجة السياسات المالية بفعل الرواتب وتغيّر أنماط الأمراض المرتبطة بالفقر والضغط النفسي والمعيشي. ويثير هذا الواقع تساؤلات قانونية حول مدى قدرة الدولة ومؤسساتها على ضمان الأمن الصحي للمواطنين، كجزء من الالتزامات القانونية المنصوص عليها في التشريعات الوطنية والمعايير الصحية الدولية.

كما تعاني المؤسسات المدنية والمجتمع الأهلي من تراجع في التمويل وتذبذب في الأدوار وضعف في المبادرات، ما أدى إلى تراجع حضور هذه المؤسسات في المجالات المرتبطة بالوقاية والتوعية وتقديم خدمات الدعم. ويؤدي هذا التراجع إلى فراغ اجتماعي-مؤسسي يزيد من هشاشة البنية المجتمعية ويفتح المجال أمام اتساع الفجوات الاجتماعية والاقتصادية.

وفي البعد السياسي-الاستراتيجي، يصعب عزل هذه الأزمات المتداخلة عن واقع الاحتلال وسياساته، التي اتسمت على مدى عقود بإعاقة التنمية الاقتصادية وتعطيل المسارات المؤسسية الفلسطينية وإبقاء المجتمع في حالة ضغط مستمر تمس أمنه الاقتصادي والاجتماعي والصحي. وفي قراءة قانونية-سياسية، فإن الاحتلال بوصفه قوة قائمة بالاحتلال وفق القانون الدولي، يتحمل مسؤوليات واضحة في ضمان الحد الأدنى من رفاهية السكان الواقعين تحت الاحتلال، طبقاً لاتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني، وهو ما لا يتحقق على أرض الواقع في الحالة الفلسطينية.

إن مواجهة هذا الواقع تتطلب تعزيز سيادة القانون وإعادة الاعتبار للمؤسسات الرسمية والمدنية والرقابية، وإطلاق سياسات اقتصادية-اجتماعية تضمن التخفيف من آثار الأزمة وتقوية منظومة الحماية الاجتماعية، إلى جانب حماية حق المواطن في التعليم والصحة والعمل كحقوق قانونية لا تقبل التعطيل. كما يتطلب الأمر تعزيز الشفافية والمساءلة والحوكمة الرشيدة، وإعادة بناء الثقة بين المؤسسات والمجتمع، كونها شرطاً أساسياً لحماية النسيج الاجتماعي ووحدة المجتمع الفلسطيني.

وفي هذه المرحلة الدقيقة، يصبح الحفاظ على وحدة المجتمع وصموده والتزامه بالقانون ضرورة وطنية وسياسية وقانونية، لا غنى عنها لمواجهة التحديات الداخلية والخارجية دون الانزلاق إلى حالة فوضى صامتة تخدم مصالح الاحتلال وتضعف القدرة الوطنية على إدارة الصراع والمرحلة.

© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير