النسخة الكاملة

غياب الفضاء العام!

الثلاثاء-2026-01-20 10:10 am
جفرا نيوز -
محمود خطاطبة

جولة بسيطة في شوارع وأحياء مُدن المملكة على اختلاف مُحافظاتها، كفيلة لأن يلحظ المواطن، أكان عاديًا أم مُراقبًا أم مُتابعًا أم اقتصاديًا أم سياسيًا، حضور المقاهي و”الكافيهات” أو ما يُسمى بـ”كوفي شوب”، في المشهد اليومي، وجُزءًا مألوفًا من النشاط الاقتصادي الاجتماعي، ومقصدًا مُتكررًا لشريحة واسعة من الشباب والشابات في مراحل مُختلفة من حياتهم.

مشهد يبدو عاديًا، وربما مُريحًا للبعض، لكنه يفتح بابًا للتأمل فيما وراء المكان نفسه.. فعملية انتشار مثل هذه الأنشطة لا يبدو مُرتبطًا بالوفرة المالية، بمقدار ما يرتبط بالحاجة إلى مكان نذهب إليه، حين لا نعرف إلى أين نذهب، وهُنا لا بُد من التذكير بأهمية الفسح والمساحات العامة وأخطار غيابها.

وأحد أبعاد هذه الظاهرة الاجتماعية، هو غياب الفضاء العام الذي يحتضن المواطن بشكل طبيعي، حيث يُمكن الالتقاء والتفاعل خارج نطاق البيت أو العمل، ومع ندرة أو غياب هذه المساحات، يتحول الفرد تلقائيًا إلى البحث عن بدائل جُزئية، مثل المقاهي أو "الكافيهات”، التي تُصبح مواقع شبه افتراضية للقاء الاجتماعي.. والخوف أن يلجأ إلى ما هو "ممنوع” أو مُخالف للقانون، من سرقة أو خلق مُشاجرات، حتى لا أقول "قتل”، أو انضمام إلى جماعات إرهابية. 

وإذا كان ذلك يُعتبر تغيرًا اجتماعيًا في طبيعة الحياة العامة والعلاقات بين الناس، فإنه من ناحية اقتصادية يعكس تحولًا في أنماط الاستهلاك، حيث تُستبدل المساحات المفتوحة والمجانية بأماكن تجارية صغيرة، تشترط المُقابل المادي.

ذلك يجعل التفاعل الاجتماعي مشروطًا بمقابل مالي، حتى لو كان بسيطًا.. والنتيجة نمط مُتكرر من الاستخدام، حيث تحل المقاهي محل ما كان يُفترض أن يكون مكانًا عامًا مُتاحًا للجميع، مع كُل ما يرافق ذلك من انعكاسات على التواصل اليومي وملء الفراغات.

الفضاء العام، خارج البيت والعمل، هو مُتنفس ضروري للمواطنين، فمن خلاله يتم "تفريغ” الضغوط النفسية التي يتعرض لها الإنسان، والتي سببها الرئيس في الأردن، الظروف المعيشية الصعبة.

ولكي لا يذهب البعض في التفكير بعيدًا بشكل سلبي، أقول إن المكان العام الذي أقصده، يتضمن مساحات واسعة، وليس شرطًا أن تكون حدائق عامة، أو مُتنزهات، وإن كانت تؤدي الغرض وتُحقق الهدف.. فمثلًا في دولة أوكرانيا يوجد في كُل حديقة، مقاعد وطاولات، منحوت عليها "رقعة شطرنج”، حتى إذا ما تعب الشخص من التجوال في هذه الحديقة، يجلس ليستريح، لكن يُبقي عقله مُتيقذًا، من خلال مُمارسة لعبة الشطرنج.  

وقد تكون المكتبات العامة، إحدى ركائز الفضاء العام، ملاذًا للكثير من شبابنا وشاباتنا، حيث كانت قبل أعوام كذلك.. وأذكر عندما كُنا في العطلة الصيفية، كُنا نذهب إلى مكتبة البلدية، لنطلع على ما تتضمه الصحف، أو لنقرأ كتابًا أو رواية، ولكن للأسف اليوم باتت شبه مُغلقة إن لم تكن كذلك.

إذن، وحتى لا يذهب الكلام بعيدًا، أقول إن المُشكلة ليست في الذهاب إلى المقهى، بل في تحوّله إلى عادة مُتكررة، تستهلك الوقت والمال، دون أن تُضيف بالضرورة قيمة واضحة.. ومع الوقت، يُصبح هذا النمط جُزءًا من الروتين اليومي، يُمارس نفسه تلقائيًا، دون كثير تفكير في جدواه.

© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير