جفرا نيوز -
بقلم: د. رضوان عبدالله الوشاح
أستاذ هندسة المياه – الجامعة الأردنية
مع كل موسم مطري ، تتكرر في المدن الأردنية مشاهد الشوارع الغارقة بمياه الأمطار التي تعطّل حركة السير، وتضرر البنية التحتية، بينما تُهدر كميات كبيرة من المياه دون أي استثمار فعلي. والمفارقة أن الأردن، المصنف من بين أفقر دول العالم مائياً، يعاني خلال فصل الصيف من عجز مائي سنوي يتجاوز 400 مليون متر مكعب. هذا التناقض الصارخ يسلط الضوء على خلل جوهري في طريقة التعامل مع مياه الأمطار، ويجعل من الحصاد المائي الحضري (Urban Rainwater Harvesting) خياراً استراتيجياً لا يمكن تجاهله.
يبلغ متوسط الهطول المطري السنوي في الأردن نحو 8–9 مليارات متر مكعب، إلا أن نسبة الاستفادة الفعلية لا تتجاوز 10%، فيما تضيع الكميات الأكبر بالتبخر أو الجريان السطحي (Surface Runoff). وتزداد المشكلة حدة داخل المدن بسبب هيمنة الأسطح غير النفاذة (Impermeable Surfaces)، حيث تشير التقديرات إلى أن أكثر من 85% من مياه الأمطار في المناطق الحضرية تتحول مباشرة إلى سيول بدلاً من أن تسهم في تغذية المياه الجوفية أو تلبية احتياجات محلية.
فغلى سبيل المثال في العاصمة عمّان، تبلغ مساحة الأراضي المبنية في عمّان 640 كم² بنسبة 38% من إجمالي مساحة مناطق الأمانة البالغة 1668 كم بالإضافة إلى شوارع عمّان التي تشكل مساحتها 191 كم² بنسبة 11% من مساحة مناطق الأمانة. يتراوح معدل الهطول المطري فيها بين 300 و500 ملم سنوياً، يُقدّر أن كمية المياه المتساقطة على أسطح المباني فقط تتجاوز 250 مليون متر مكعب سنوياً. ولو تم حصاد 25% من هذه الكمية عبر أنظمة تجميع مياه الأسطح، لأمكن توفير حوالي 60 مليون متر مكعب سنوياً، وهي كمية كافية لتغطية جزء كبير من احتياجات المواطنين في استعملات غير اغراض الشرب وري الحدائق المنزلية و العامة وتنظيف الساحات والشوارع وغيرها. ان هناك بعض التجارب الناحجة على نطاق محدود. ففي الجامعة الأردنية، تم إنشاء خزانات لتجميع مياه الأمطار من أسطح المباني، تُستخدم لاحقاً في ري المساحات الخضراء، حيث تشير التقديرات إلى أن هذه الأنظمة تسهم في توفير 20–30% من مياه الري السنوية وخفض الكلف التشغيلية بعشرات آلاف الدنانير.
حلول الحصاد المائي الحضري: من المبنى إلى المدينة
يمكن تطبيق حلول الحصاد المائي في المناطق الحضرية على نطاق واسع، وتُصنّف عادة إلى مستويين رئيسيين يكمّل أحدهما الآخر ضمن منظومة متكاملة لإدارة مياه الأمطار.
• أولاً، الحلول الموزعة على مستوى المباني (Distributed Solutions)، وهي حلول تُنفّذ على مستوى المنزل أو المبنى الفردي، وتُعد المدخل الأسهل والأسرع للتطبيق. وتشمل في مقدمتها جمع مياه الأمطار من الأسطح، حيث يتم تركيب مزاريب وفلاتر أولية لتجميع المياه وتوجيهها إلى خزانات علوية أو أرضية. وتُستخدم هذه المياه في ري الحدائق، والتنظيف، وتشغيل المراحيض، ما يخفف الضغط على مياه الشرب ويقلل فاتورة المياه. وتندرج ضمن هذا المستوى أيضاً الأسقف الخضراء (Green Roofs)، التي تُغطى بطبقة من التربة والنباتات، وتعمل كإسفنج طبيعي قادر على امتصاص ما يصل إلى 80% من مياه الأمطار، ثم إطلاقها تدريجياً عبر التبخر والنتح. وتسهم هذه الأسقف في تقليل الجريان السطحي، وخفض درجات الحرارة داخل المدن، والحد من ظاهرة الجزيرة الحرارية الحضرية هناك بعض التجارب الناحجة على نطاق ضيق.
• ثانياً، الحلول المتكاملة على مستوى الحي والمدينة (Integrated Solutions)، وهي حلول أكبر حجماً تتطلب تخطيطاً حضرياً شاملاً وتنسيقاً مؤسسياً. ومن أبرزها الأسطح والأرصفة النفاذة (Permeable Pavements) المستخدمة في الأرصفة ومواقف السيارات والساحات العامة، حيث تسمح بتسرب مياه الأمطار مباشرة إلى التربة، ما يقلل من تشكل البرك والسيول ويعزز تغذية الخزانات الجوفية. كما تشمل هذه الحلول أحواض تركيد وحجز مياه سيول الأمطار Rain Gardens والمناطق الرطبة الحضرية Bio retention ، وهي مساحات منخفضة مصممة هندسياً ومزروعة بنباتات محلية تتحمل الجفاف والغمر، تقوم بجمع مياه الأمطار وتنقيتها طبيعياً قبل تسربها إلى باطن الأرض. إضافة إلى ذلك، تُعد الخزانات الجوفية الكبيرة حلاً استراتيجياً، حيث تُنشأ تحت الحدائق العامة أو الساحات الرياضية أو المباني الحديثة لتجميع مياه الأمطار من مساحات حضرية واسعة، واستخدامها لاحقاً في ري المساحات الخضراء أو كاحتياطي في حالات الطوارئ. و هناك بعض التجارب الناحجة على ولنها عاى نطاق محدود
ولا تقتصر فوائد الحصاد المائي الحضري على الجانب المائي فقط، بل تمتد إلى أبعاد بيئية واقتصادية واجتماعية متعددة، إذ تشير دراسات إقليمية إلى أن كل دينار يُستثمر في أنظمة الحصاد المائي يمكن أن يحقق عائداً يتراوح بين 2 و4 دنانير على المدى المتوسط، من خلال خفض كلف الضخ والمعالجة وصيانة شبكات الصرف الصحي وتخفيض الانبعاث من ثاني اكسيد الكربونواثاره السلبية.
رسالة ختامية: من الحلول الجزئية إلى القرار الاستراتيجي
إن الحصاد المائي الحضري في الأردن لم يعد قضية تقنية محصورة بالخبراء، بل أصبح قراراً استراتيجياً يمس الأمن المائي والاقتصادي والاستقرار الحضري. فاستمرار التعامل مع مياه الأمطار باعتبارها عبئاً تصريفياً سيبقي المدن الأردنية في دائرة الخسائر الموسمية، بينما يتيح التحول إلى الإدارة المتكاملة لمياه الأمطار (Integrated Stormwater Management) فرصة حقيقية لتقليص العجز المائي وتعزيز مرونة المدن في مواجهة التغير المناخي. المطلوب اليوم هو إرادة رسمية واضحة تُترجم إلى تشريعات مُلزمة تدمج الحصاد المائي في كودات البناء، وتجعل منه عنصراً أساسياً في المشاريع السكنية والتجارية الجديدة، مع توفير حوافز مالية وضريبية مشجعة. كما تقع على عاتق البلديات مسؤولية التحول من الحلول الإسمنتية المكلفة إلى البنية التحتية الخضراء (Green Infrastructure) الأكثر استدامة وأقل كلفة على المدى البعيد.
إن كل موسم مطري يمر دون استثمار فعّال لمياهه هو فرصة مهدورة لا يمكن تعويضها. والأردن، بما يمتلكه من خبرات علمية وكفاءات هندسية وتجارب محلية واعدة، قادر على الانتقال من مرحلة المبادرات المحدودة إلى التطبيق الوطني الشامل، وبناء نماذج المدن الإسفنجية (Sponge Cities) تحوّل المطر من خطر موسمي إلى رصيد استراتيجي يضمن أمناً مائياً أفضل وجودة حياة أعلى للأجيال القادمة.