النسخة الكاملة

القرعان قراءة في تنظيم الإعلام الرقمي

الأحد-2026-01-18 12:05 pm
جفرا نيوز -
د محمد كامل القرعان 
في خطوة تعكس إدراكاً رسمياً متقدماً لطبيعة التحولات التي يشهدها المشهد الإعلامي، وافق مجلس الوزراء على الأسباب الموجبة لمشروع نظام تنظيم الإعلام الرقمي لسنة 2026، إلى جانب مجموعة من الأنظمة المعدلة ذات الصلة، تمهيداً لإحالتها إلى ديوان التشريع والرأي لاستكمال إجراءات الإقرار وفق الأصول الدستورية.
هذا القرار لا يمكن قراءته كإجراء إداري أو تشريعي معزول، بل يأتي في سياق تحولات عميقة فرضها تصاعد دور الإعلام الرقمي بوصفه فاعلاً رئيساً في تشكيل الرأي العام، وفي التأثير السياسي والاجتماعي والاقتصادي، إضافة إلى كونه أحد محركات الاقتصاد الإبداعي والاستثمار في المحتوى.
مشروع النظام، وفق أسبابه الموجبة، يهدف إلى بناء إطار تشريعي متكامل ينظم الإعلام الرقمي على أسس واضحة وعملية، بما يعزز مكانة الأردن في المشهد الإعلامي الرقمي إقليمياً ودولياً، ويوفر بيئة قانونية جاذبة للاستثمار، دون الإخلال بمتطلبات الحرية والمسؤولية. وهي معادلة دقيقة طالما شكّلت تحدياً أمام صناع القرار في ظل فضاء رقمي مفتوح ومتغير بوتيرة متسارعة.
ومن أبرز ما يلفت في المشروع اعتماده مبدأ التمييز بين الترخيص الإلزامي والاعتماد الاختياري لدى هيئة الإعلام. إذ يحدد الأنشطة الإعلامية الرقمية التي تستوجب الحصول على ترخيص، لا سيما تلك ذات الطابع المهني والتجاري المؤثر مثل الدعاية والإعلان والإنتاج الإعلامي، مقابل استثناء الأفراد الذين ينشرون محتوى شخصياً عبر منصات التواصل الاجتماعي، وهو ما يحول دون توسيع نطاق التنظيم ليشمل التعبير الفردي غير المهني.
كما يحمل النظام رسائل طمأنة واضحة للمؤسسات الإعلامية المرخصة قبل نفاذ أحكامه، إذ لا يلزمها بإعادة ترخيص أدواتها الرقمية، مع منحها خيار اعتماد هذه الأدوات لدى الهيئة بشكل اختياري، شريطة اتساق المحتوى الرقمي مع ما يُنشر عبر المنصات التقليدية. ويعكس هذا التوجه فهماً لخصوصية التحول التدريجي الذي تعيشه المؤسسات الإعلامية، ويجنبها أعباء تنظيمية مفاجئة.
وفي بعدٍ نوعي، يسعى المشروع إلى تعزيز حماية منتجي المحتوى الإعلامي الرقمي المحترف، لا سيما في مجال الملكية الفكرية، ورفع جودة المحتوى المقدم للجمهور، مع إيلاء اهتمام خاص بحقوق المتلقي. كما يوفر مظلة تشريعية أولية لأخلاقيات استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في العمل الإعلامي، في خطوة استباقية تتعامل مع تحديات المستقبل بدل انتظار تفاقمها.
ويُحسب للمشروع خضوعه لمشاورات موسعة مع جهات رسمية ومؤسسات مجتمع مدني، ما يمنحه بعداً تشاركياً في الصياغة. غير أن نجاحه الحقيقي سيبقى مرهوناً بكيفية تطبيقه على أرض الواقع، ومدى مرونته في التحديث، وقدرته على مواكبة التطور المتسارع في البيئة الرقمية دون الوقوع في فخ الجمود أو الإفراط في التنظيم.
في المحصلة، يشكل مشروع نظام تنظيم الإعلام الرقمي لسنة 2026 خطوة متقدمة في مسار تحديث السياسات الإعلامية الأردنية، إذا ما طُبق بروح توازن تحمي المهنة وتدعم الاستثمار، دون المساس بحيوية الفضاء الرقمي أو بحق المجتمع في إعلام مهني، مسؤول، ومتعدد الأصوات. فالرهان الحقيقي ليس في النصوص وحدها، بل في حسن إدارتها بما يخدم المصلحة العامة ويعزز الثقة بالإعلام الوطني في عصر الرقمنة
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير