
بقلم الدكتور عصام شقره
ليس كل من أتقن القواعد صار قائدًا،
فبعض القواعد تحتاج روحًا لتُحسن تطبيقها.
تُطرح الإدارة كثيرًا كسؤال: هل هي علم أم فن؟ والحقيقة أنها مزيج دقيق بين الاثنين. العلم يمنح الإطار، ويضع الأدوات، ويحدد المنهجيات، أما الفن فيظهر في كيفية التطبيق، وفي القدرة على قراءة المواقف، والتعامل مع البشر، واتخاذ القرار في لحظة تتطلب حسمًا لا انتظارًا. الإدارة التي تكتفي بالعلم تصبح جامدة، والتي تعتمد على الفن وحده تتحول إلى اجتهادات غير منضبطة.
القيادة الحقيقية لا تُفرض بالمنصب ولا تُكتسب باللوائح، بل تُصنع بالتأثير وبناء الثقة. المدير الذي يملك المعرفة دون قدرة على التواصل يفقد فريقه، كما أن من يملك الحضور دون فهم إداري يهدر الجهد. هنا يظهر دور القائد الذي يجمع بين وضوح الرؤية ودقة القرار، وبين الانضباط والمرونة، فيخلق بيئة عمل تحفّز الأداء بدل أن تُقيّده.
قرار إداري واحد، حين يُتخذ بوعي وفي التوقيت المناسب، قادر على تغيير مسار مؤسسة كاملة. لكن القرار بحد ذاته لا يكفي، فالقيمة الحقيقية تظهر في طريقة تنفيذه ومتابعته وتحويله إلى ممارسة يومية. القيادة ليست لحظة حاسمة فقط، بل سلسلة من القرارات الصغيرة التي تُبنى عليها ثقافة العمل وسلوك الفريق.
حين يكبر المنصب ويصغر الفكر، تبدأ المشكلات بالظهور مهما كانت الموارد متاحة. أما حين يكبر الفكر ويتواضع المنصب، تتشكل قيادة حقيقية قادرة على الاستمرار. الإدارة الواعية ليست أوامر تُنفذ، بل توجيه يُنتج التزامًا، ونظامًا يُمكّن الأفراد من العمل بثقة. في هذا التوازن بين العلم والفن، تُصنع القيادة التي لا ترتبط بشخص، بل تبقى أثرًا ممتدًا داخل المؤسسة.