النسخة الكاملة

تصفيط حكي!

الإثنين-2026-01-12 11:10 am
جفرا نيوز -
الدكتور نضال المجالي

لا يعنيني الحكواتي حين يرتدي قبعة الرسمية أكثر مما يعنيني حين ينسى لماذا بدأ الحكي أصلاً. يجلس متصدراً، يلمع أزراره، ويصفّ الكلمات كما تصفّ السيارات في موكب فارغ. الحكاية عنده إجراء، واللغة نموذج، والدهشة بند مؤجل. أسمعه ولا أتبعه، لأن السرد بلا اهتمام يشبه فنجان قهوة بلا رائحة.

تعلمت مبكراً أن من لا يملك الأدوات يبالغ في تلميع المقابض. يهتم بالشكل لأنه لا يثق بالمضمون، ويكثر من المقدمات لأنه يخشى الوصول. الحكواتي الحقيقي لا يحتاج منصة عالية، يكفيه سؤال صادق ونبرة تعرف طريقها. أما صاحب القبعة فيقيس الأثر بعدد الحضور، ومقالات الكلام المدفوع المنثور، لا تجده يوما قد قاسها بلمعة العيون.

وقد قلتها سابقاً في مقال أتساءل هل حددت أهداف ٢٠٢٦؟ فكنت أول من وضع أهدافه بان من لا يضيف شيئاً، لا مساحة له عندي. ليست قسوة، بل اقتصاد وقت. فالزمن لا يتسع للمجاملات، والاستماع لطبطبات، فالاهتمام عملة نادرة. من لا يملك فكرة يرفع صوته، ومن لا يملك إضافة يطالب بمكان. وأنا لا أوزع مساحات، بل أختبر جدوى.

يعلنون عن مقابلة، أو حتى لو دعموا حديثه تقربا، كله واحد. الكلمات هي الكلمات؛ إن كانت محفوظة فلن تنقذها الإضاءة، وإن كانت حية ستتنفس ولو في ممر ضيق. الرسمي يظن أن الوقار صمت، وأن الصمت حكمة، فيخلط بين الهيبة والفراغ.

أنا لا أبحث عن عناوين ثقيلة ولا سير ذاتية منمقة. أبحث عن يد تلوّح للمعنى قبل أن يهرب. الحكواتي الذي يهمني يتعثر، يضحك، ويصحح نفسه، لأنه مشغول بالحكاية لا بالمرآة. ومن يقدّس الشكليات، ويدعي الثقة وهو ينسق اختيار ربطة عنقه قبل الظهور يطالبني بالتصفيق قبل الفهم.

تصفيط الحكي مهنة من لا يريد الإصغاء. يرصّ الجمل ليغطي فراغ النية، ويضع القبعة ليخفي خوفه من السؤال. لذلك أمشي حين يبدأ العرض، وأبقى حين يبدأ الصدق. فالحكاية، بلا اهتمام، مجرد بدلة أنيقة معلّقة بلا جسد. ومن لا يضيف، مهما علت قبّعته، يبقى خارج المتابعة.
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير