النسخة الكاملة

طرد المنظمات من غزة

الخميس-2026-01-08 11:11 am
جفرا نيوز -
إسماعيل الشريف

إيصال المساعدات الإنسانية إلى غزة لا يمكن أن ينتظر وقف إطلاق النار، ولا يجوز أن يكون خاضعًا لأي أجندات سياسية، فالمدنيون بحاجة فورية للمساعدات الغذائية والطبية- الملك عبد الثاني ابن الحسين.

أعلن الكيان الصهيوني، اعتبارًا من الأول من كانون الثاني 2026، حظر عمل سبعةٍ وثلاثين منظمةً إغاثية في فلسطين المحتلة، متذرّعًا بحجج واهية، من بينها اتهامها بارتباطات بحماس، أو الإضرار بما يسمّيه «الأمن القومي»، أو الادعاء بأنها تعرقل العمليات العسكرية، فضلًا عن عدم امتثالها لنظام تسجيل جديد. وقد فرض الكيان، بموجب هذا النظام، آلية صارمة للتسجيل والتدقيق، تُلزِم المنظمات بتقديم إفصاحات تفصيلية عن أسماء موظفيها، بمن فيهم الفلسطينيون، ومصادر تمويلها، وشركائها المحليين، إضافةً إلى تفاصيل عملياتها الميدانية، ما أفضى، وفق هذه المعايير، إلى تعليق تراخيص تلك المنظمات.

وتضمّ قائمة المنظمات المحظورة عددًا من أبرز وأكبر منظمات الإغاثة الغربية في العالم، وهي مؤسسات تفوق ميزانياتها ميزانيات دولٍ بأكملها، من بينها أطباء بلا حدود، وأوكسفام، وكير، وميديكو إنترناشيونال، وجمعية أصدقاء الولايات المتحدة، والمساعدة الطبية للفلسطينيين، وورلد تشايلد، وميرسي كوربس. ويُلاحظ أن عددًا من هذه المؤسسات يعمل تحت إشراف مباشر أو نفوذ حكومي في دوله الأصلية، ما يؤكد وجود ابعاد سياسية تتجاوز الادعاءات المعلنة.

وفي كيانٍ يمارس الإبادة الجماعية منذ قرن، ويتأسس على الفصل العنصري والاستعمار والتعذيب واغتصاب السجناء، لا يبدو قرار حظر منظمات الإغاثة   رغم كونه سابقة تاريخية   أمرًا مستغربًا. فهو امتداد طبيعي لسياسات راسخة، بدأت بمنع الصحفيين الدوليين من دخول مسرح الإبادة في غزة، وتواصلت باستهداف وقتل الصحفيين وعمال الإغاثة. هكذا يتصرّف الإرهابيون، وهكذا يتصرّف هذا الكيان.

وقد شكّلت منظمة أطباء بلا حدود نموذجًا صارخًا لما أراد الكيان إسكاتَه؛ إذ كانت من أبرز المنظمات التي أعلنت، خلال العام الماضي، وقوع إبادة جماعية في غزة، ووثّقت سلسلة واسعة من المجازر، وفي مقدمتها ما عُرف بـ«صندوق غزة الإنساني». كما كانت السباقة في كشف الشهادات المروّعة عن اقتحام الجنود الصهاينة لمستشفيات سبق أن استُهدفت بالقصف، مفضوحةً معها أكذوبة الادعاء بأن تلك المستشفيات تُستخدم كمراكز قيادة لحماس. ولم يكتفِ أعضاء المنظمة العاملون في غزة بالتوثيق الميداني، بل نقلوا شهاداتهم عن المذابح المروّعة إلى الصحافة الغربية، ففضحوا رواية الكيان.

ولذلك، لم يكن إخراج هذه المنظمة وغيرها من المشهد سوى خطوة متوقعة، تُمكّن الكيان من مواصلة الإبادة في صمتٍ وظلام، بلا شهود ولا مساءلة، على نحوٍ يذكّر بمشاهد أفلام المافيا، حين يُصفّى الشهود قبل وصولهم إلى قاعات المحاكم، كي تُطمس الجرائم ويُدفن الدليل.

ويأتي هذا القرار منسجمًا تمامًا مع خطاب وسياسات قادة الكيان، الذين لم يترددوا في استخدام لغة الإبادة الجماعية بكل لغات العالم؛ إذ جاهر بعضهم باعتبار الإبادة «مشيئة إلهية» بدعوى أنهم «الشعب المختار»، فيما ذهب آخرون إلى تجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم، واصفين إياهم بـ«الحيوانات البشرية»، أو ملحقين بهم أسطورة العماليق.

وما يثير دهشتي حقًا ليس قرار الصهاينة بحدّ ذاته، بل أن أقليةً محدودة في هذا العالم، لا يتجاوز تعدادها عشرة ملايين إنسان، تمسك بخناق ثمانية مليارات؛ تحظر منظماتها الإنسانية متى شاءت، وتُسخِّر دولها لتزويدها بسلاح الإبادة ودعم جرائمها، وتسنّ القوانين التي تُجرّم مجرد انتقادها، ثم تحيطها بسياجٍ من الحماية في المحافل الدولية.

وفي هذا السياق، تحذّر هذه المنظمات اليوم من أن قرار حظرها سيُفاقم أزمة وصول الغزيين إلى الرعاية الطبية والإنسانية، في لحظةٍ تشهد فيها مؤسسات غزة انهيارًا شبه كامل، ما ينذر بكارثة إنسانية أوسع نطاقًا.

لقد شاهدنا، على مدى السنتين الماضيتين، الإبادة تُرتكب في العلن وأمام أعين العالم، أما اليوم فهي تُستكمل في صمتٍ مطبق، بلا أدنى مساءلة. فبعض الدول التي تنتمي إليها هذه المنظمات ليست بريئةً من المشهد، بل هي من كبار المستفيدين من الإبادة: تزوّد الجناة بالسلاح، وتشتري غاز غزة المسروق، وستشيّد ناطحات السحاب فوق جماجم أطفال غزة.

© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير